فهرس الكتاب

الصفحة 6958 من 19127

قرأ هذه الآية مروان بن الحكم، وكان قد غفل عن سبب نزولها؛ فالتبس عليه معناها, ورأى أن فيها وعيداً وتهديداً لمن يفرح ويحب الثناء, وعلى هذا لن ينجو أحد من العذاب؛ فكل الناس يفرحون كما ذكرنا.

روى البخاري ومسلم [15] :"أن مروان بن الحكم، قال لبوَّابه: اذهب - يا رافعُ - إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كل امرئ فَرِحَ بما أُتِيَ, وأحبَّ أن يُحْمد بما لم يفعل معذباً، لنُعَذَّبنَّ أجمعون!! أجاب ابن عباس: ما لكم ولهذه, إنما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهوداً، فسألهم عن شيء، فأخبروه بغيره, فأَرَوْهُ أنهم قد استحمدوا إليه بما أخبروه, وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم".

جاءت هذه الآية تُشَنِّع على اليهود فرحَهم المذموم, وحرصهم المحموم على الثناء بالكذب والخداع, فهي فيهم، وفي كل مَنْ سلك مسلكهم من الناس؛ لاتحاد جنسِ الحكم والعلةِ فيه؛ فإنه لا ينجو من وعيدها [13, جـ4, ص194] من يفعل الشر والخسة، ثم لا يقف عند حد الانكسار لما فعل، أو تطلب الستر على شنعته؛ بل يرتقي، فيترقب ثناء الناس على سوء صنعه، ويتطلب المحمدة عليه.

كشفت هذه الآية عن الصلة بين الكذب والفرح المذموم, فكل صفة تغري بالأخرى, وقد توعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - مَنْ يكذب؛ من أجل أن يُضحك الناس، ويُدخل الفرح إلى قلوبهم [16] ، فالكاذب يفرح؛ لأنه استطاع أن يُضحك الناس, وهم يضحكون ويفرحون بما يسمعون.

المنافقون والفرح المذموم:

ليس يصعُب - إدراكُ الصلة الوثيقة بين المنافقين واليهود؛ فإن اليهود احتضنوا بِذْرة النفاق ورعَوها، وكان منهم منافقون.

إن الكذب أبرزُ صفة في المنافقين، وهو الذي يميزهم عن أهل الكفر الصريح, وكان عندهم منهجَ حياة؛ فلا غرو أن يكون أولُ وعيدٍ للمنافقين على كذبهم: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت