وليس ببعيد عن فرح هؤلاء فرح أولئك الذين ينتسبون للعروبة، ويعجبون بالإسلام ويفرحون به؛ لأنه جعل للأمة العربية ذكراً بين الأمم, وجعل لغتها العربية لغةً عالميةً، دون أن يصاحب هذا إيمان والتزام.
إنه إعجاب يعود على صاحبه بالتَّبَاب، وفرح مآله إلى ترح؛ لأن هؤلاء عرفوا وانحرفوا, وليس بشيء ما ذهب إليه الرازي [19, جـ12, ص121] في تفسيره لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} [طه: 113] , حين قال:"إنا أنزلنا القرآن؛ ليتقوا، فإن لم يحصل ذلك، فلا أقل من أن يُحْدِثَ القرآن لهم ذكراً وشرفاً وصيتاً حسناً".
وثمَّةَ قولٌ ثالث في فهم فرح أهل الكتاب, يرى أصحابه [39, جـ22, ص121] : أن المعنيين بالأمر هم اليهودُ والنصارى الصادقون في التمسك بأصول كتبهم، فهذا الفريق يجد في القرآن الكريم مصداق القواعد الأساسية في عقيدة التوحيد, كما يجد الاعتراف بالديانات التي سبقته وكتبها, وعرض لها مع الإكبار والتقدير, وتصور الآصرة الواحدة التي تربط المؤمنين بالله جميعاً؛ فمِنْ ثَمَّ يفرحون, ثُمَّ يؤمنون.
والفرح هنا حقيقة نفسية في القلوب الصافية, وهو فرح الالتقاء على الحق، وزيادة اليقين بصحة ما لديهم، ومؤازرة الكتاب الجديد له.
وهو قول معتبر، تنبه أصحابه إلى ما ورد في القولين السابقين, فأزال ما قد يعلق في الذهن من إشكال في فهم الآية, وأخذ بعين الاعتبار كذلك سياق الآية ودلالة مفرادتها.
الفرح بنصر الله:
النظر إلى نصر الله تعالى للحق وأهله - في ضوء ما سبق بيانه من الآثار والثمار - يشير بجلاء: أن الفرح بهذا النصر فرح محمود, وهو متفرِّع عن أصل الانتماء لهذا الحق.