يدل هذا الاستدراك في كلام أنس: على أن الصحابة ما كانوا يفرحون بشيء - مهما كان يستحق الفرح - أكثر من فرحهم بالإسلام؛ شعوراً منهم بالنقلة الهائلة التي نقلهم الإسلام إليها حين أخرجهم من الظلمات إلى النور.
ذكر المفسرون عند تفسير الآية السابقة: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} محاورةً تسهم في الكشف عن مقاصدها، وعن حسن فهم الصحابة لها:
عن عقبة بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، قال: سمعت أَيْفَعَ بنَ عَبْدٍ الكَلاَعِي يقول: لمّا قدم خَرَاج العراق إلى عمر - رضي الله عنه - خرج عمر ومولًى له، فجعل عمر يعد الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول:"الحمد لله تعالى"ويقول مولاه:"هذا والله من فضل الله ورحمته"، فقال عمر:"كذبت، ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] [40، جـ2، ص436] ."
إن ما جُمع من مال بين يدي عمر صعب عليه إحصاؤه يستدعي الفرح ولا شك، لكنه مهما كان لا يرقى بحال إلى أن يفرح به كفرحه بالإسلام، الذي كان سبباً في هذا الخير، وفى غيره مما يضيق المقام عن ذكره.
الفرح بالقرآن، وبالإسلام، وبالرحمة فرحٌ محمود؛ لأن هذه الأمور {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} ، أي: يجمع الكافرون من متاع وضِيَاع، وهم في غيِّهم سامدون.
وخيرٌ كذلك مما تجمعون أنتم أيها المسلمون، ولعل هذا ما يشير إليه قول عمر - رضي الله عنه - والقراءات الواردة في الآية تحتمل المعنيين، فإن قوله تعالى {يجمعون} قُرئت بالياء على ضمير الغائب، والمقصود بها الكفار، وقرأها جماعة من السلف (تجمعون) بالتاء؛ خطاباً للمسلمين [24، جـ5، ص170] .