لقد جاءت عبارة"الظلال": [39، جـ3، ص180] عند تفسير هذه الآيات كاشفةً عن شيء من مقاصدها، متضمنةً المعاني السابقة:"فبهذا الفضل الذي آتاه الله عباده، وبهذه الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان، فبذلك - وحده - فليفرحوا، فهذا هو الذي يستحق الفرح، لا المال، ولا أعراض هذه الحياة، إن ذلك هو الفرح العلوي، الذي يطلق النفس من المطامع الأرضية والأعراض الزائلة، فيجعل هذه الأعراض خادمة لا مخدومة، ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها، لا عبداً خاضعاً لها".
بهذا يظهر الفرح المحمود في أبهى صوره، فرحٌ خالصٌ سامٍ بالإسلام، لا يعدله شيء، يورث صاحبَه حسنَ تقدير للدنيا، فيفرح بها في إطار الاتِّزان الذي تكون فيه الآخرة سيدةً، يَخطب ودَّها، والدنيا تابعةٌ لها.
لقد تحققت هذه المعاني السامية في نفوس المسلمين الأوائل، فهم، وإن كانوا يفرحون بما تفرح به كل نفس سوية؛ كونَ الفرحِ انفعالاً فطرياً جُبِلَتْ عليه النفس - إلا أنهم - ما كانوا يفرحون بشيء أكثر من فرحهم بهذا الدين، ولا قدَّموا عليه شيئاً مما يُفرح به في العادة.
بين أيدينا أطراف من أحاديث، تؤكد استحضار الصحابة الكرام لهذا المعنى على الدوام، وحرصهم على الاحتياط لأنفسهم في عباراتهم في هذا المقام، فهذا أنس بن مالك يقول عن الصحابة، بعد أن سمعوا قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الذي سأله عن الساعة: (( أنت مع من أحببت ) )، يقول أنس:"فما رأيت فرح المسلمين بعد الإسلام فرحهم أشد مما فرحوا به" [10] ، وفى حديث آخر جاء قوله:"فما فرحنا بشيء بعد الإسلام فرحنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( أنت مع من أحببت ) ) [11] ، وعندما بشر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنساً بفضل انتظاره لصلاة العشاء؛ قال:"فما فرحت بعد الإسلام فرحي به" [12] ."