إن استحضار الجو العام، الذي نزلت فيه هذه الآيات يُعِين على تفهُّم الآراء المتقدمة - والتي قد تبدو متعارضة - فقد نزلت في العهد المكي، وقد اشتد النزاع بين المسلمين والكفار، وكان عامة المسلمين فقراء ضعفاء، في حين كان الكفار يتفاخرون بكثرة أموالهم ومتاعهم، وأولادهم أيضاً.
لقد ذكر لنا القرآن الكريم نماذج من هؤلاء الكفار المعجبين بما لديهم من متاع، يقول عن الوليد بن المغيرة: {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [القلم:14-15] ، وأنموذج آخر، قال عنه القرآن الكريم: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} [المعارج: 18] ، وجمع المال والتفاخر به يصاحبه في العادة فرح.
جاء كلام الرازي - فيما يبدو - في إطار الجو العام الذي نزلت فيه هذه الآيات، فرأى أن هذا الفرح - وهو صفة للكفار - فرحٌ باطل، فأفرده بالذكر، ثم عمم الحكم على من كانت هذه حالَه.
واحتاط الآلوسي لنفسه حين قال [ 23، جـ12، ص112] :"إن الفرح بمتاع الدنيا (لذَاتِه) باطل؛ فقُيِّد"؛ تجنباً للنقد الذي وجِّه لتعميم الرازي.
جاء كلام صاحب"المنار"- راعى الإصلاح الاجتماعي في عصره - متأثراً بالجو العام الذي يعيشه المسلمون اليوم، وكأني به قد رأى في مسلمي هذا العصر بعض صفات مسلمي العهد المكي من الضعف والفقر، ورأى فيهم - أيضاً - بعض صفات مشركي العرب، من الإعراض عن الدين، وعدم الفرح به، فقال مقالته - معاتباً ومذكراً - بأن الفرح بالدنيا والآخرة حصل بالفعل للمسلمين الأُوَل، حين كان تمسكهم بالدين وفرحهم به سبباً لأن تَفْتح عليهم الدنيا أبوابَ نعيمها وزينتها؛ وهذا مبعث فرح وابتهاج.
إن الآيات هدفت أول ما هدفت إلى التنويه بالقيمة العليا لهذا الدين، الذي أخرج مَنْ آمن به من عالم الأموات إلى عالم الأحياء، وجعلهم يدركون أن للحياة معنى أسمى وأعظم مما يتصوره الكافرون الجامعون لمتاعها.