لقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أن الفرح بالإسلام هو أسمى درجات الفرح وأفضلُها، فأمر به وأثاب عليه، وعرَّض بمن أعرض عنه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57-58] .
تفضل الله على الناس فأنزل كتاباً كريماً، جعله موعظة بما فيه من تذكير بما ينفع، وتحذير مما يضر، ووصفه بأنه شفاء لما في الصدور من داء وشقاء، لمن وفِّق إلى الإفادة منه، وهو - أيضاً - كتاب هداية، وجالبُ رحمةٍ للمؤمنين.
ولئن تعددت عبارات المفسرين في بيان المراد بفضل الله وبرحمته، والتي أمر الله بالفرح بهما، فإن مدارها واحد، وهي إلى تفسير التنوع أقرب.
في"الكشَّاف" [37، جـ2، ص353] : عن أبيّ بن كعب، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} [يونس:58] ، فقال: بكتاب الله، والإسلامُ فضله، ورحمته ما وعد عليه.
عقَّب عليه أبو حيَّان [24، جـ5، ص169] بقوله:"لو صحَّ هذا الحديث، لم يمكن خلافه".
وعن أنسٍ مرفوعاً: (( أن فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله وأتباعه ) ). ونُقل القول نفسه عن أبي سعيد موقوفاً، وهو الأصح [38، جـ7، ص87] ، وأورد الطبري [38، جـ15، ص ص106-107] هذه الآثار كلها بأسانيدها.
أوضح ابن القيم [5، ص454] كلام أبي سعيد قائلاً:"يريد بذلك أمرين؛ الأول: الفضل في نفسه، والثاني: استعداد المحل لقبوله، كالغيث يقع على الأرض القابلة للنبات، فيتم المقصود بالفضل وقبول المحل له".
"وهذا الذي يقتضيه اللفظ؛ فإن الفضل هو هداية الله التي في القرآن، والرحمة هي التوفيق إلى اتباع الشريعة التي هي الرحمة في الدنيا والآخرة"، قاله صاحب"التحرير" [13، جـ11، ص205] وأصله لصاحب"المحرر" [32، جـ3، ص126] .