والتفريط في الغضب، وانعدامه في النفس - مذمومٌ؛ لأنه لا يبقي فيها حميَّة ولا غَيْرَةً، وحين أمر الله تعالى ملائكة العذاب أن تهلك أهل قرية، أمرها أن تبدأ بعابد من أهل هذه القرية؛ لأن وجهه لم يتمعَّر بسبب انتهاك حرمات الله، ولم يغضب في الله أبداً.
وقد تمثلت الفضيلة بأسمى صورها في سلوك الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكان لا يغضب من أجل أمور الدنيا العابرة، فإذا انتُهكت حرمة من حرمات الله، اشتد غضبه [8] .
إن بين الفرح - هذا الانفعال الفطري الذي يتساوى الناس في أصله - وبين توجيهات الشرع المكتسبة الواردة في شان الفرح، والانفعالات بعامة، والتي يتفاوت موقف الناس تجاهها، إن بينهما - مسافةً بعيدة، ودرجات عديدة، كافية هذه وتلك لإبراز الفروق بين سلوك الناس في هذا الميدان.
سعى الإسلام - ابتداءً - إلى تصحيح معتقد الناس تجاه ما يجري في هذه الحياة الدنيا، حين أعاد الأمر كله لله تعالى؛ مُلْكاً وخَلْقاً، ومشيئةً وقضاءً، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22-23] .
إن الله تعالى - وهو يربي عباده ويقوِّم سلوكهم - يبين لهم أنه - تعالى - قدَّر مقادير الخلق قبل أن يخلق الأرض، أو قبل أن يخلق النفس، على اختلاف في عود الضمير في قوله تعالى: {نبرأها} [24، جـ5، ص224؛ 3، جـ17، ص257] أهو عائد على الأرض؟ أم على النفس؟، فما في الأرض من قحط، وجدب، وما شابهَ ذلك مما يُلْحق بالنفس الهم والغم، فإنه مقدَّر في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله الخلائق بخمسين ألف سنة [9] .