فهرس الكتاب

الصفحة 6940 من 19127

بين يَدَيْ هذه الأقسام أسطر نوجز فيها جانباً من موقف الإسلام من الانفعالات، فقد حرص الإسلام على ضبط الانفعالات بعامة، بعد أن اعترف بها، خلافاً لبعض المدارس الفلسفية التي ترى ضرورة استئصال الانفعالات؛ لأنها أمراض حقيقية، كالمدرسة الرواقية [1، ص15، الهامش] ، في حين يرى الإسلام توجيهها؛ توظيفاً لمنافعها، ودفعاً لمضارِّها، وهذا يتلخص في أن يكون الانفعال فيما ينبغي، وبالقدر الذي ينبغي، وعلى الوجه الذي ينبغي، وهذا جماع الاعتدال وعينُه.

هذا الذي ذُكر ليس خاصاً بالفرح، وإنما هو للانفعالات بعامة كما أشرنا، فإن الحزن انفعال، وقد يقتل، وكم من شخص مات غماً وحزناً، وفى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أهل النار - والذي تقدم مثله في أهل الجنة - ما يسوِّغ تقبُّل إمكانية حصوله، فقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( فلولا أن قضى الله لأهل النار الحياة فيها، لماتوا ترحا ) ) [4] .

إذا هُذِّبَ الحزن، سُرِّيَ عن صاحبه، وخُفِّفَ عنه، فقد حزن الرسول - صلى الله عليه وسلم - على موت ابنه إبراهيم، وكان حزنه منضبطاً بالشرع حين قال: (( إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ) ) [5] .

وقد يبلغ الحزن بالمؤمن مداه، ولكنه لا يؤثر على صلته بالله، ولا يخرجه عن الجادَّة، فقد حزن يعقوب - عليه السلام - على يوسف حتى ابيضَّت عيناه من الحزن، ولكنه لم يقطع رجاءه بالله، ولم ييأس من رحمته، وقال - وهو على تلك الحالة من الحزن: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .

ومثل ذلك الغضب، فهو انفعال كذلك، الإفراط فيه مذموم، ولهذا عَدَّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان [6] ، وأوصى رجلاً، فقال له مراراً: (( لا تغضب ) ) [7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت