فهرس الكتاب

الصفحة 6939 من 19127

يستثنى من ذلك ثلاث آيات ظاهرها أنها مطلقة، لكن سياقها القرآني مقيد لها لمن تأملها، ففي قوله تعالى حكايةً عن قوم قارون: {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص: 76] هذا الإطلاق مقيد بالفرح المبالغ فيه في زخارف الدنيا، والسياق القرآني ناطق بهذا.

وفي قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود: 10] ظاهره مطلق، وحقيقة الأمر أنه مقيد بالفرح بالنعمة، وعدم التوازن في الانفعال تجاهها.

ومما يعين على تفهم التقييد في هذه الآية آية أخري مشابهة لها ورد فيها الفرح مقيداً، وهي قوله تعالى: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48] .

والآية الثالثة وردت في معرض ذم المنافقين، وهي قوله تعالى: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} [التوبة: 50] ، فرحون بسلامتهم وبمصيبة المسلمين، وهذا ينبئ عنه السياق، فالتقييد ظاهر.

يتَّسق هذا الذي ذكرنا مع ما سبق من أن الفرح بذاته لا يتوجه له مدح ولا ذم - باعتباره انفعالاً جبلت النفس عليه - وإنما يكون هذا بالنظر إلى متعلِّقه، فتارةً يكون الفرح محموداً إذا أمر به، وتعلق بأمر شرعي، كالفرح بالإسلام، وتارة أخرى يكون الفرح مذموماً، كفرح المنافقين بمصائب المسلمين، ويكون مباحاً إذا تعلق بأمر دنيوي مباح.

وخلاصة القول: إن الفرح الذي عرض له القرآن الكريم ثلاثة أقسام: فرح محمود، وفرح مذموم، وفرح مباح، وهي الأقسام التي سنعرض لها في ضوء الآيات القرآنية، نكشف عن مقاصدها، ونبين هداياتها في حدود سعة المقام، وإسعاف المقال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت