لا يخلو الفرح من آثار سلبية، بخاصة إذا بُني علي أساس غير صحيح، يقول"ديكارت" [1، ص86] :"إن انفعالَي الفرحِ والحزن حين يكونان متساويين في الاستناد إلى أساس خاطئ؛ فإن الفرح في العادة يكون أشدَّ ضرراً من الحزن". ويعلل هذا قائلاً:"لأن هذا الأخير - يعنى: الحزن - حين يلزمنا جانب التحفُّظ والتخوُّف يعدنا بطريقة ما إلى الحيطة والحذر، في حين أن الآخر - الفرح - يجعل الذين يستسلمون له جسورين وغير مبالين".
وقد أبدع أحمد بن يحيي"ثعلب"حين فسّر الفرح بأنه:"خفة في النفس [22، جـ2، ص541] ، والخفة في انفعال النفس مظنة أن يتجاوز الفرح حدوده، وما قصة الرجل الذي وجد راحلته، التي عليها طعامه وشرابه، بعد أن يئس منها، واستسلم للموت عنا ببعيدة؛ فإنه حين وجدها واقفة فوق رأسه، قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ هذا الخطأ الشنيع من شدة الفرح" [2] .
وقد لحظ"أفلاطون"هذا الشيء؛ فقال:"إن اللذة المفرطة تجعل الإنسان هائم العقل مضطرباً، مثل ما يفعل به الحزن في الغالب" [12، ص144] .
لعل ما تقدم يفسر لنا: لِمَ كانت العرب تعدُّ تركَ الفرح منقبةً تُمْدح بها؟ كما قال شاعرهم [23، جـ20، ص112؛ 24، جـ7، ص133] :
وَلَسْتُ بِمِفْرَاحٍ إِذَا الدَّهْرُ سَرَّنِي وَلاَ جَازِعٍ عَنْ صَرْفِهِ الْمُتَقَلِّبِ
وقول الآخر أيضاً [23، جـ20، ص112] :
إِنْ تُلاَقِ مُنْفِساً لاَ تَلْقَنَا فُرُحَ الخَيْرِ وَلاَ نَكْبُو بِضُرّ
وكأن الدافع إلى هذا الموقف تجنب أن يوصف أحدهم بالخفة والطيش.
ويُسهِّل فهمَ تفسير ثعلب للفرح بأنه خفة في النفس - ما ذكره العلم الحديث: من أن الإنسان الفرح يسرع نبضه؛ لأن الأوردة المتجهة إلى القلب تتوسع، ويكون الدم فيها ساعة الفرح سائلاً جداً ورقيقاً [1، ص ص66، 77] ، ويتناسب مع هذا قول العرب في وصف الشخص (الفَرِح) بقولهم:"يكاد يطير من الفرح".