وأضاف أبو بكر الحافظ أبو بكر أحمد الخطيب البغدادي إلى هذه الشروط إضافات أخرى أوجب توفرها في المفتي، وقد فصلها بقوله:"وينبغي أن يكون قوي الاستنباط جيد الملاحظة. رصين الفكر. صحيح الاعتبار. صاحب أناة وتؤدة. وأخا استثبات وترك عجلة. بصيراً بما فيه المصلحة مستوقفاً بالمشاورة. حافظاً لدينه مشفقاً على أهل ملته مواظباً على مروءته حريصاً على استطابة مأكله، فإن ذلك أول أسباب التوفيق، متورعاً عن الشبهات صادقاً عن فاسد التأويلات صليباً في الحق، دائم الاشتغال بمعادن الفتوى وطرق الاجتهاد، ولا يكون ممن غلبت عليه الغفلة واعتوره دوام السهر، ولا موصوفاً بقلة الضبط منعوتاً بنقص الفهم معروفاً بالإختلال يجيب عما يسنح له ويفتي بما يخفى عليه" [12] .
ويستخلص من هذا تعظيم أمر الفتيا وشأنها وما يؤدي إليه التسرع فيها من آثار تمس جوهر العقيدة ومن ثم تمتد إلى الملتزمين بها فتفسد عليهم دينهم ثم يتتابع هذا الفساد ويتسارع إلى أجيالهم.
وفي تاريخنا الإسلاامي شواهد وحقائق، فضلالات الفرق القديمة التي شهدها هذا التاريخ وعانى منها الإسلام في كثير من فتراته كانت عبارة عن فتاوى فرضها أصحاب هذه الفرق على مجتمعاتهم، إمَّا عن جهل بحقائق الدين الإسلامي، أو عن قصد فرضه الصراع الحضاري عبر تغلغل أصحابه في الصفوف، واختراق الحواجز عبر نقاط الضعف في المجتمعات الإسلامية التي وُجدوا فيها.
لقد كانت هذه الفرق ستحقق مقاصدها، ولكن الضوابط والقواعد التي وضعها الفقهاء والحفاظ، والعلماء المسلمون للدفاع عن جوهر العقيدة الإسلامية أضعفت حجج هذه الفرق، وأفسدت خططها إلى أن تلاشت، ولكن هذه الحوادث لم تنته بنهاية الأزمنة التي وُجِدَتْ فيها بل استمرت إلى عصرنا هذا وفق ترتيب وأسلوب جديدين، فالقاديانية والبهائية وغيرها من الفرق التي نسمع عنها ما بين وقت وآخر ما هما إلا نتاج لفتاوى قام أساسها على الجهل أو الصراع الحضاري كما ذكر.