فهرس الكتاب

الصفحة 6917 من 19127

وكما عَظَّم أمر الكذب عليه عَظَّم أمر الجرأة على الفتيا فقال: (( أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار ) ) [7] وكان صحابة رسول الله على عظم قدرهم، وسعة علمهم، ومعرفتهم بما صدر عن رسول الله من قول أو فعل أكثر حذراً وأشدَّ خوفاً في مسائل الفتيا فكان الواحد منهم يتمنى ألا يُسْأَلَ عن مسألة ولو كان يعلمها وإذا سُئِلَ عنها تمنَّى أن يقوم بالإجابة عليها من يرى أنه أقدر منه عليها، وفي ذلك قال عبدالله بن المبارك: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أراه قال في المسجد - فما كان منهم محدث إلا ودّ أن أخاه كفاه الحديث ولا مفت إلاّ ودّ أن أخاه كفاه الفتيا. وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود - وهما من أغزر صحابة رسول الله علماً وفقهاً - قولهما إن كل من أفتى الناس في ما يسألونه عنه لمجنون [8] .

ومثلهم في هذا فقهاء التابعين والأئمة وأتباعهم فقد روى أبو داود في مسائله أنه ما أحصى ما سمع عن الإمام أحمد بن حنبل حين سُئِلَ عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول لا أدري، قال: وسمعته يقول ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى أحسن فتيا منه كان أهون عليه أن يقول لا أدري، وكان الإمام أحمد كثيراً ما يقول لسائله سل غيري فإن قيل له من نسأل قال: سلوا العلماء، وعندما سُئِلَ الإمام مالك عن مسألة وقال فيها لا أدري، وقال له السائل: يا أبا عبدالله تقول لا أدري؟ قال: نعم مَنْ ورائك إني لا أدري [9] .

وروي عن ابن سيرين قوله: قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة رجل يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه، وأمير لا يجد بداً، وأحمق متكلف. قال ابن سيرين: فأنا لست أحد هذين وأرجو ألا أكون الأحمق المتكلف [10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت