لقد لعِبتِ العصاباتُ الصِّهْيَوْنِيَّة الإنجيلية النصرانية لعبتها، وقذفت في روعِ النصارى أن نُزول المخلصِ عيسى - عليه الصلاة والسلام - الذي سيخلصهم من المسلمين حسب زعمهم لن يكون إلا باستيلاء اليهود على القدس، وتجمعهم فيها، وجعلها عاصمة لليهود، وأنَّ الحروب الصليبيَّة لن تتوقف إلا بذلك؛ فوافقت هذه الفكرةُ هوًى في نفوس النصارى خاصَّةً بعد أن أنهكوا من جراء الحروب مع المسلمين، وبعد أن فَشِلَتْ مساعي الاستعمار الحديث بالمقاومة الصَّامدة من قِبَلِ الشُّعوب الإسلامية المستعمرة؛ فتآزرت الصِّهْيَوْنِيَّة النصرانية مع الصِّهْيَوْنِيَّة اليهودية في هذا السبيل؛ تحقيقًا للعقيدة الألفية التي أصلها عقيدة يهودية [19] .
وملاحظةٌ أخرى جديرة بالتأمل وهي: أن اليهود ما حاربوا عبر تاريخهم الطويل ولو مرَّةً واحدة من أجل الاستيلاء على بيت المقدس؛ ففي تاريخهم الحديث سلّمهم النصارى بيتَ المقدس، وفي تاريخهم القديم دعاهم موسى - عليه الصلاة والسلام - لمحاربة الكنعانيين ودخولها فامتنعوا ورفضوا [20] .
فمتى كان اليهود أهل حرب ومبادأة بها؟ أيوم قال لهم موسى - عليه الصلاة والسلام: قاتلوا، فقالوا: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] أم يوم دعاهم - عليه الصلاة والسلام - إلى الفتح وقد مهَّد الله لهم أسبابه، وفتح لهم بابه؛ فارتجفوا كالشياه المذعورة وقالوا: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22] .
هذه بطولات اليهود! يريدون من يحارب عنهم، ويُخرجُ لهم العدو من القلعة ليدخلوها فاتحين، وما تبدَّلت حالهم. إنَّهُمْ كما كانوا من قبل يقاتلون بسلاح سواهم، ويُلوحون بقوةِ غيرهم [21] .