أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله - تعالى - وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المؤمنون: ظل بيتُ المقدس عبر تاريخه الطويل حافلاً بالأحداث العظيمة منذ أن سكنه خليلُ الرحمن إلى يومنا هذا، وسيستمر حافلاً بالأحداث الكبرى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ إذ إن الأحداث العظام في آخر الزمان ستكون على أرضه كما صحت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
افْتَتَحَ بيتَ المقدس عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - في السنة الخامسة أو السادسة عشرة للهجرة [16] ، وظَلَّ تحت حكم المسلمين خمسة قرون؛ حتى استولى عليه الصليبيون في أثناء حكم العبيديين الباطنيين حينما حكموا الشام، ومكث في أيدي الصليبيين قريبًا من تِسْعينَ سنةً، ثُمَّ استردَّه المسلمون في حكم الأيوبيين، وظل في حوزة المسلمين أَكْثَرَ من ثمانية قرون، إلى أن جاء الاستعمارُ الظالم فاستولى عليه وسلّمه لليهود في أواسط القرن الهجري الماضي.
إنَّ الملاحظ - أيها الإخوة - أنَّ المسلمين لما فتحوا بيتَ المقدسِ تحت إمرة عمر - رضي الله عنه - ما استلموا مفاتيحه من اليهود وإنما من النصارى؛ بل اشترط النصارى على عمر - رضي الله عنه - أن لا يسمح لليهود بدخوله؛ لأنَّهُمْ قَتَلَةُ المسيح حسب زعم النصارى، فكيف يسكنون بلد المسيح عليه السلام؟! ووافق عمر على هذا الشرط. وفي العهد الأموي تسلَّل إلى بيت المقدس عشرة يهود، واشتغلوا فيه خدمًا فَطَرَدَهُم عمرُ بن عبدالعزيز لما تَوَلَّى [17] ، ولما استولى الصليبيون عليه أبادوا من كان به من اليهود، وأحرقوا عليهم دورهم [18] . ثم فجأة إذا بالاستعمار النصرانيّ يُسلّم القدس لليهود، فلماذا هذا التغير؟ وما الذي دهى النصارى؟!