وصالح عمرُ أهل الجابية ثم سار وقادته إلى بيت المقدس، وكان - رضي الله عنه - في غايةِ التواضع والاستكانة والذّلَّة لِله رب العالمين، قال أبو الغادية المزني:"قدم علينا عمرُ الجابية، وهو على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه عمامةٌ ولا قلنسوة، بين عُودَيْن، وطَاؤه فرو كبْش نجدي، وهو فراشه إذا نزل، وحقيبتُه شملةٌ أو نَمِرةٌ مَحْشوةٌ ليفًا وهي وسادته، عليه قميص قدِ انخرق بعضه، ودَسَم جيبُه" [9] .
هكذا نقلوا في وصف مركبه وملبسه، وهيئته وعُدَّتِه، ولو أراد - رضي الله عنه - للبس الحرير، ومشى على الديباج، وركب أصيلات الخيل. ولو شاء لحمل معه المتاع الكثير، ولأحاطت به المراكب، وحفّت به المواكب؛ ولكنه - رضي الله عنه - علم قيمة الدنيا فأعطاها مُستحقها، وعلم قدر الآخرة ففرغ قلبه لها، وعمل عملها، وسعى لها سعيها.
وقد حاول أمراءُ الجيش أن يُحسِّنوا من هيئته المتواضعة أمام الأعداء؛ ولكن مَنْ يقدرُ على مَنْ؟ أيقدرون على عمرَ الذي كان كبيرُ الشياطين يخافُه، ويسلكُ فجًّا غير فجّهِ؟!
قال له أبو عبيدة - رضي الله عنه:"يا أمير المؤمنين، لو ألقيت عنك هذا الصوف، ولبست البياض من الثياب، لكان أهيبَ لك في قلوب هؤلاء الكفار، فقال عمر - رضي الله عنه:"لا أحب أن أُعَوّد نفسي ما لم تعتده، فعليكم معشر المسلمين بالقصد" [10] ."