ودار التاريخ دورته، وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن كمل به الدين، وتَمَّتْ به النِّعْمَة، ثم تَوَلَّى خليفتُه الصديقُ الأول فقضى على الرِّدَّة، وأرسى دعائم المِلَّة، ثم انسابَتْ جُيُوشُه الفاتحة صوبَ الشَّام تحقيقًا للبِشَارة، ومات الصِّدّيقُ - رضي الله عنه - وجيوشُ الإسلام قاب قَوْسَيْن أو أدنى من تحقيق البشارة، وخَلَفه الفاروقُ عُمرُ، وجيوشُ الحق تواصل فتحها؛ حتى بلغت بيت المقدس، فحاصر المُسْلِمُون أهلها، ثم تصالحوا بعد الحصار، وقيل: بعد القتال [4] على أن يقدم الخليفة عمرُ - رضي الله عنه - من المدينة ليباشرَ الصلح بنفسه؛ لما علموا من سيرته وعدله.
فكتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بشرطِ أهل إيلياء، فشاور عمرُ أصحابه في الخروج، ثم انشرح صدرُه إلى القدوم على بيت المقدس، واستخلف عليًّا على المدينة [5] ، وسار إلى حيثُ مدينة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وكتب إلى أُمَراء الأجناد أن يستخلفوا على أعمالهم ويوافوه بالجابية، وفي رواية أخرى: أنه وافاهم عند بيت المقدس [6] .
فلما بلغ الجابية من أعمال الشام نزل بها، وخطب خطبة بليغة طويلة مشهورة كان منها قوله - رضي الله عنه:"أيها الناس، أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكمُ تُكْفَوْا أمر دنياكم، واعلموا أنَّ رجلاً ليس بينه وبين آدم أب، ولا بينه وبين الله هوادة، فمن أراد لَحْبَ وجه الجنة - أي طريقها - فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد..."إلخ خطبته البليغة [7] .
وجاءه رجل من يهود دِمَشْق فقال له:"السلام عليك يا فاروق، أنت صاحبُ إيلياء لا والله لا ترجعُ حتى يفتحَ اللهُ إيلياء" [8] .