-ولفظ (( يحييكم ) )له دلالته اللغوية الخاصة عند العرب، فقد قالوا: اخصب القوم وأحيوا. والحيا... كثرة الغيث [239] . ومن دلالات جذر (ح، ى، ى) الحياة ضد الموت [240] . وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أَنَّ سورة الأنْفال بجملتها نزلت في غزوة بدر [241] ترجح لدينا أَنَّ هذه الدعوة تختص بالدعاء إلى الجهاد وقتال العدو، وقد أعلمهم الله - سبحانه -: (( أَنَّ ذلك يحييهم من حيث كان فيه قهر المشركين، وتقليل لعددهم، وفلّ لحدهم وحسم لأطماعهم ) ) [242] … ويجري ذلك مجرى قوله - عز وجل -: {ولكُمْ في القِصاص حياة} [243] . إنَّ تعبير القرآن عن الجهاد بلفظ (( يحييكم ) )إنّما هو دلالة على أنَّ الجهاد دعوة إلى عقيدة، تحيي القلوب والعقول وشريعة، تحرر الإنسان وتكرمه، ومنهج للفكر يحقق القوة والعزة والاستعلاء [244] .
إنَّ النصر الذي يحرزه المؤمنون بجهادهم لا تتخلف عنه يد القدرة، فولاية الله لهم دائمة، وفي ذلك - يقول - تعالى -: {واللهُ أعْلَمُ بأعْدائكُمْ وكفى باللهِ وليّاً، وكفى باللهِ نَصيراً} [245] .
-والولي في اللغة: القْربُ والدُّنْو، يقال: تباعد بعد وَلْي [246] ، وقال ساعدة بن جؤيّة الهذلي [247] :
هَجَرَتْ غَضوبُ وَحُبَّ مَنْ يَتَحَبّبُ وعَدَتْ عَوادٍ دون وَلْيِكَ تَشْعبُ
ومن الدلالات الحسية لجذر (و، ل، ي) الوَليُّ: المطر بعد الوسْميّ سُمِّيَ ولَيّاً لأنه يلي الوسمي [248] ، والوسمي: مطر الربيع الأول عند إقبال الشتاء [249] . وعلى هذا (( فالولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد ) ) [250] ، ولذا صحّ أن تقال الوِلاية والوَلاية في النُّصْرَةِ [251] ، مع ملاحظة دلالة الدنو والقرب فيها.