-وإذا كان الله - سبحانه - قد جعل المستضعفين يرثون الأرض فقد منّ عليهم بأَنْ جعلهم أئمّة في قوله: {وَنُريدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الّذين اسْتُضْعفوا في الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثينَ} [229] . والأمُّ في اللغة: القصد. يُقال أمَمْتُهُ أَؤُمُّهُ أَمّاً: إذا قصدت له [230] . ومن الدلالات الحسية لهذه المادة؛ الإمام: لخشبة البنّاء التي يُسوى عليها البناء، قال الشاعر [231] :
وخَلّقْتُهُ حتى إذا تَمَّ واستوى كُمخةِ ساق أو كَمَتْنِ إمامَ
قَرنْت بِحَقْوَيهِ ثلاثاً فَلَم يَزغْ عَنِ القَصدِ حتى بُصِّرَتْ بدِمام
والإمام: الصقع من الأرض، والطريق... والإمام الذي يقتدى به [232] .
وفي هذا المعنى ورد لفظ (( أئمة ) )في الآية، قال قتادة: وتجعلهم أئمة، أَي: ولاة أمر [233] . وعن مجاهد: دعاة إلى الخير [234] . وذهب الزمخشري والرازي إلى: أنهم المقدمون في الدين و الدنيا، واقتران لفظ أئمة بلفظي (( الوارثين ونمكّن ) )يقوى هذه الدلالة، لأن من لوازم تمكين الله لهم أنْ ينفذ أمرهم ويطلق أيديهم [235] .
إنَّ الوصول إلى الاستخلاف في الأرض والتمكين يتم عن طريق الجهاد، وقد قال - سبحانه وتعالى -: {يُجاهِدونَ في سَبيلِ الله ولا يَخافونَ لَومةَ لائِم ذلك فَضْلُ الله يُؤتيه مَنْ يَشاء} [236] ، وهذه دلالة الفضل، إذ بيّن - تعالى - أنّ جهادهم على هذا الوجه فضل من الله من حيث يوفق لذلك، ومن حيث يؤديهم إلى النعم العظيمة من الثواب [237] .
إنَّ الجهاد في الإسلام حياة كاملة ممتدة، فقد قال - سبحانه - {يا أَيّها اللذَين آمنَوا اسْتَجيبوا لله وللرَّسول إذا دَعاكُمْ لِما يُحْييكُمْ واعلموا أَنَّ الله يَحولُ بَيْنَ المَرءِ وقلبِهِ وأَنَّهُ إليه تُحشرونَ} [238] .