فوعد الله - سبحانه - أن يأتي بالفتح لرسوله - صلى الله عليه وسلم - على أعدائه ليظهر المسلمين بالحق على أعدائهم، ويقطع دابر اليهود، فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم [189] .
ومما يكشف عن الدلالة التي ذكرناها - أيضاً - في سبب النزول، قوله - تعالى -: {إن تستفتحوا فقدْ جاءكم الفتح} [190] ، فقد روى الحاكم عن عبدالله بن ثعلبة بن صغير أَنه قال: كان المستفتح أبا جهل، فإنّه قال حين التقى القوم: اللّهم أَيُّنا كان أقطع للرحم، وأتى بما لا يعرف فَأحْنهِ: (فأملكه) الغداة. وكان ذلك استفتاحاً، فأنزل الله: {إنْ تَسْتفْتحوا فقَدْ جاءكم الفتح} إلى قوله: {وأَنَّ اللهَ مع الصابرين} [191] . والبادي من هذه الرواية أَنَّ أبا جهل كان لا يعرف الحق من الباطل مكابرة، فاستعمل القرآن لفظ (( الفتح ) )ليدل على معنى الفصل بين الحق والباطل وظهور ذلك للعيان من خلال انتصار المسلمين، والمعنى: (( إنْ تَسْتنْصروا لأَهْدى الفئتين وأكرم الحزبين فقد جاءكم النصر ) ) [192] . مظهراً أهل الحق مركساً أهل الباطل.
وإذا ما تم الفتح فقد تحقق وعد الله الذي وعد به عباده المؤمنين وهو الاستخلاف والتمكين والأمن، وذلك في قوله - تعالى -: {وَعَدَ اللهُ الذين آمنوا منكمْ وعَملوا الصّالحاتِ ليستخْلفَنّهمْ في الأرضِ كَما استَخلفَ الّذينَ منْ قبلهمْ وليمكننَّ لهمْ دينهمُ الذي ارْتضى لهم وليبدلنهم منْ بعدِ خوفهمْ أَمناً يعبدونَني لا يُشْرِكونَ بي شيئاً ومنْ كفرَ بعدَ ذلكَ فأُولئكَ همُ الفاسقونَ} [193] .
-ولجذر (خ، ل، ف) في اللغة دلالات عديدة، منها: الخَلْفُ: نقيض القدّام.
والخَلْفُ: القرن بعد القرن [194] . ويقال: هذا خَلْفُ سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم، قال لبيد [195] :
ذَهَبَ الذينَ يُعاشُ في أَكْنافهم وبقيتُ في خَلْف كجلدِ الأجربِ