تموتُ طَوراً وتحيا في أَسِرَّتِها كما تُقَّلبُ في الرُّبْطِ المَراويدُ
وفيهم رباط الخيل: حبسها واقتناؤها، قال الشاعر [90] :
فينا رِباطُ جياد الخيلِ مُعْلَمَةً وفي كُلْيب رِباطُ اللُّؤْمِ والعارِ
وأعدوا رباط الخيل وهي ما يرتبط منها، ومن التطور الدلالي للمادة:
رابط الجيش: أقام في الثغر، والأصل أن يربط هؤلاء وهؤلاء خيلهم، ثم سميت الإقامة في الثغر مرابطة ورباطاً، والغزاة في مرابطهم ومرابطاتهم، وهي مواضع المرابطة، ووقف ماله على المرابطة، وهي الجماعة التي رابطت [91] . ويلاحظ أَنَّ هذه الدلالات وجدت بعد الإسلام وتوسع الفتوح، واستقرار الفاتحين في الثغور.
ومن الدلالات الحسية للمادة - أيضاً - قولهم: ترابط الماء في مكان كذا، إذا لم يخرج من مجتمعه وركد فيه، ومنه ماء مترابط؛ قال الشاعر يصف سحاباً [92] :
تَرى الماءَ منْهُ مُلْتَقٍ مُتَرابِطٌ وَمُنْجَرِدٌ ضاقت بهِ الأرضُ سائحُ
واستعملت هذه المادة في القرآن الكريم خمس مرات، وجاءت مقترنة بالقلب ثلاث مرات، وذلك في قوله - تعالى -: {إنْ كادَت لَتُبْدي به لولا أَنْ رَبَطنا على قَلبِها لتكونَ منَ المؤمنين} [93] . وهذا لطف من الله إذْ أَلهمها الصبر كما يربط الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن [94] . وقوله: {ورَبَطنا على قُلوبِهم إذْ قاموا، فقالوا: رَبٌّنا رَبُّ السمواتِ والأرضِ لَنْ ندعوَ منْ دونه إلهاً لقد قُلنا إذاً شططاً} [95] . والربط هنا (( عبارة عن شدة عزم وقوة صبر اعطاها الله لهم... ولما كان الفزع والخور يشبه بالتناسب الانحلال، حسن في شدة النفس وقوة التصميم أَنْ يشبه الربط ) ) [96] . وقوله {وليربِطَ على قلوبِكم، ويُثَبت به الأقدام} [97] ، المراد: أن بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم، وزال الخوف والفزع عنهم، ويقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه عليه، كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب )) [98] . والقى استعمال حرف الجر (على) الذي يفيد الاستعلاء ظلّه على دلالة اللفظ [99] .