ويستشف من هذه الدلالات معنى: القوة [82] ، وهذا المعنى يلمح في استعمال القرآن الكريم لهذه المادة؛ ومن ذلك قوله - تعالى - {إذْ يُغَشّيكُمُ النُّعاسُ أَمَنَةً مِنه ويُنزِّلُ عليكم منَ السماء ماءً ليطهرَكُمْ بهِ ويُذهبَ عنكمُ رِجْزَ الشيطان وَليربطَ على قلوبكُم ويُثبت به الأقدام. إذْ يوحي ربك إلى الملائكة أَنّي معكم فثبتوا الذين آمنوا سَأُلقي في قُلوبِ الذينَ كَفروا الرعبَ فاضربوا فوق الأعناق، واضربوا منهم كُلَّ بَنان} [83] ، تثبيت الأقدام مترتب على قوة القلوب في جهاد العدو، ولا يتم ذلك إلا حينما يكون الثبات على الدين [84] ، وعلى هذا (( يكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب ) ) [85] . وهي على حد قول استاذنا محيي الدين توفيق: (( كتابة عن الصمود في وجه الأعداء والصبر على مقارعتهم والانتصار عليهم ) ) [86] . وفيما يتعلق بسياق النص فقد لمح استاذنا كاصد الزيدي ملمحاً لطيفاً في نعمة الماء المنزل الذي له منفعة مادية متمثلة بتطهير الأجسام. ومنفعة معنوية تتمثل في الربط على القلوب وتثبيت الأقدام، فأشار إلى أنهما (( عنصران نفسيان لأنهما يقترنان بالطمأنينة والثقة النفسيتين، ولاسيما أَنَّ المسلمين كانوا في مجال حرب، وهم بأشد الحاجة إلى ما يثبتهم، ويقوي معنوياتهم، بعد أَنْ عدموا الماء لنزولهم في كثيب أَعفر تسوخ فيه الأقدام ) ) [87] .
وأما تثبيت الملائكة للمؤمنين فهو بُشْرَى لهم بالنصر، أو قتال معهم، أو حضور بهيئة الرجال يمدونهم بالنصر، وفي ذلك كله قوة للمسلمين [88] .
ويلاحظ أيضاً أن لفظ:
-يربط: كان مستعملاً في الآيات التي تتحدث عن النصر والجهاد. ولجذر (ر، ب، ط) في اللغة دلالات حسية، منها:
رَبَطْتُ الشيء أَربِطُهُ، وأَرْبُطُهُ،: شددته، والموضع مْربَط ومَرْبِطٌ.... ويقال: نعم الربيّط هذا، لما يرتبط من الخيل... والرباط ما تشد به القربة والدابة وغيرهما والجمع رُبُطٌ. قال الأخطل [89] :