وقد يروي أحد تلامذته الكبار أنه سمع صيت الشيخ وجاء إليه ليدرس عليه الحديث ولكنه مع ذلك كان يكره الشيخ في نفسه ويبغضه لأجل الجمود المذهبي الذي ورثه من آبائه فلما وصل إلى محطة دهلي ونزل عن القطار وفتش عن حمال، فوجد شيخًا مسنا فسأله عن مدرسة الشيخ ولما أخبره الحمال أنه يعرف المدرسة، حمله أمتعته وفراشه، ورأى في الطريق أن لسان حماله ما انقطع عن ذكر الله ولا لحظة، وسأله الحمال عن قصده للمدرسة، فأجاب بأنه سمع حديث الشيخ الإمام وشهرته وجاء ليطلب منه العلم، علم الحديث النبوي، فمدحه الحمال لحسن نيته ولخروجه لطلب العلم الشريف وحينما وصلا إلى المدرسة وكان الوقت منتصف الليل أنزل الحمال فراشه وأمتعته، وأراد أن يرجع إلا أن الطالب أمسكه وقدم له أجرته، ولكن الحمال العجوز أبى أن يأخذ أجرة الحمولة من إنسان ما خرج من بيته إلا إبتغاء مرضاة الله، ومع شدة إصراره ظل العجوز مصرًا وذهب، ويقول الطالب أنا ما زلت بعد إنصرافه أتفكر في هذا العجوز المجاهد الذي يأبى أن يأخذ أجر خدمته من طالب يخرج في سبيل الله، وعلى معاني هذه الأفكار نمت فلما أصبحت، وجاء وقت الدراسة ذهبت لأحضر وأسمع درس الشيخ، وما أن وصلت إلى مسند ولي الله وإسماعيل وإسحاق، حتى دهشت وكاد يغمى علي لفرط لهفتي لأني رأيت ذلك الشيخ الذي حمل فراشي وأمتعتي، وأبى أن يأخذ مني أجرته، نعم رأيت ذلك الإمام جالسًا على مسند يدرس صحيح البخاري، وعلى جبينه نور يتلألأ، وفي عينه دموع تترقرق، وأمامه طلاب، لا من أطراف الهند فقط بل من أفغانستان، وإيران، وبورما، والصين، وسمرقند، وبخارى، كلهم يستفيدون من هذا المنبع الصافي الرقراق الدفاق، وبمجرد رؤية هذا المنظر صرت من أخلص مخلصيه مع التعصب الموروث والحقد الكامن، وكان هذا الرجل الذي سماه أهل زمانه شيخًا في الكل الإمام العلامة السيد نذير حسين المحدث الدهلوي رحمه الله وطيب ثراه فكتب شرح صحيح البخاري كما ألف عدة كتب في