قد يبادر البعض فيقول: كأنكم تريدون عزلة ورفضًا لثقافات الآخرين ولغاتهم، بزعم أن ذلك يخالف أعرافنا ويناقض قيمنا!. إن ذلك غير صحيح على الإطلاق، فالحقيقة أننا نريد الانتفاع إلى أقصى حد بكل ما في الثقافات من علوم حديثة وتقنيات رفيعة المستوى، ونرحب بأن يتعلم المرء لغة واثنتين وثلاثًا، وما أسعفته به قدرته على استيعاب ما يستطيع من لغات ومعارف، يسهم بها ومن خلالها في إثراء التنوع الثقافي للبشرية كلها.
إن الشأن الآن ليس شأن حديث العلم باللغة العربية، أو أن يعود الطب وحده فيتكلم بالعربية، إن الأمر يتجاوز اللغة إلى السياسة، وإلى الاقتصاد، وإلى الاجتماع، وإلى كل جوانب الحياة بعد أن تلاحقت موجات ما يسمى"بالعولمة"وخاصة في ظاهرة ما يسمى: بالشركات عابرة الجنسيات، أو عابرة القوميات... إن القرار الاقتصادي يؤدي بغير مواربة إلى قرار ثقافي، وبشكل أوضح، إن الذين يقررون شكل اقتصادنا، يأتي في قرارهم ضمنًا - حتى ولو بدون نية مبيتةً - اللغة التي يتكلم بها هذا الاقتصاد، في قراراته، في بحوثه، في مخاطباته، في مكاتباته، حتى في محادثاته المحدودة.
لقد شهدنا كثيرًا من المؤتمرات الاقتصادية التي يتحدث فيها قومنا بلغة أصحاب القرار الاقتصادي، وهي غير اللغة العربية يقينًا، حتى وإن كان المؤتمر منعقدًا على أرض عربية. ولا يقتصر الأمر على الاقتصادي فحسب، بل ينسحب على السياسي والثقافي... الخ.
ونحن نرى الآن - في كثير من بلادنا - أن اللغة الرئيسة في شركات الاستثمار الوافدة، أو في فروع المصارف العالمية هي اللغة الإنجليزية، التي توشك أن تكون لغة الأسواق المالية والتجارية والاتصال عامة.
ولعل هذا هو ما أدى إلى أن تكون هناك أقسام - ببعض جامعات البلاد العربية - يتم التدريس فيها باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وعلى الأخص في كليات التجارة والحقوق، حتى يجد الخريجون فرصًا لهم في سوق العمل.