قد يبدو للوهلة الأولى أن العولمة موجهة نحو المال والاستهلاك، ولكن الواقع يؤكد أن سلاحها الحقيقي موجه نحو عقل الإنسان، فهي غزو ثقافي كامل، لأنها موجهة إلى فكر الإنسان ولغته وثقافته، بفضل حيازتها معرفة منظمة، ووسائل فاعلة لنشر هذه المعرفة. إن التعليم باللغة القومية يعد محورًا للحفاظ على الثقافات الموروثة وتنميتها. ومن هذا المنطلق يجب التأكيد على ضرورة الارتقاء باللغة والتعريب، حفاظًا على القيم المكتسبة على مر العصور.
ويستخدم مهندسو العولمة اللغة وسيلة للاختراق الحضاري للتأثير على الهوية الثقافية، ثم خلخلتها من الداخل، تمهيدًا للقضاء على الموروث الثقافي الذي هو أهم مقومات الدول، وهناك هجوم منظم على لغتنا العربية يتخذ شكل الحرب الذكية، تنكشف حينا وتتخفى أحيانًا أخرى.
إن رياح التغريب تهب علينا قاصدة قوميتنا تارة، وتتجه إلى منظومة قيمنا، وديننا تارة أخرى، لاقتلاع أوتاد تراثنا الفكري والديني والأخلاقي. ولاشك أن اللغة العربية هي المستهدف الأول، نظرًا لأهميتها باعتبارها سمة من سمات الهوية، وملمحًا أساسيًا من ملامح الشخصية.
إننا نتعرض اليوم لمشروعات ودعوات ظاهرها الرحمة والتقدم، وباطنها العذاب والخراب وفقدان الهوية، دعوات بمسميات مختلفة: تغيير الحرف العربي، استعمال اللهجات العامية المحكية (كي تلحق العربية بمصير اللاتينية) ، الشرق أوسطية، الأورومتوسطية، إلغاء النحو، تجديد القواعد، إلى غير ذلك من المشروعات التي تستهدف إذابة الأمة العربية ولغتها.
إن العدوان على اللغة العربية محاولة لهز استقرارها، لينفرط عقد العرب، وتطمس هويتهم، ويذوبوا في بحر العولمة.
اللغة ومنظومة المعرفة