كانت للمسلمين - عربًا وغير عرب - عقيدتهم التي جمعتهم ووحدت قلوبهم، وصارت"العربية"لغة علمهم ومعارفهم، حتى صح لديهم القول المأثور"ليست العربية بأب أو أم إنما هي لسان". وفي نطاق سماحة الإسلام واتساع لغة العرب، شارك الجميع في بناء صرح الحضارة الإسلامية، لا فرق بين عربي وغير عربي.
أحدث نزول الوحي في المجتمع القبلي الجاهلي ثورة ثقافية عظمى. فكان القرآن هو المركز الذي دارت حوله دوائر علوم الحضارة العربية. فكان تقعيد قواعد اللغة - أي علوم اللغة - هو أول إنجازات الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي، وأساسها الوطيد.
ولقد كانت للمسلمين - منذ عصر النبوة - علومهم التي شغفوا بها: رواية ودراية، حتى إذا جاء العصر العباسي ورسخت أصولها، أصبحت لها مناهج واضحة، وضعوها على غير مثال. وفي مقدمة ذلك: علم الحديث، وعلم الفقه، وعلم اللغة، وعلم النحو، وعلما العروض والقافية.
ومن ثم أعدتهم علومهم ومناهجهم لاستيعاب علوم وحضارات اليونان والهند وغيرها، من رياضيات وفلك وفيزياء وكيمياء وطب.
حركة ترجمة الطب:
كان الطب من أبرز العلوم التي عنى الخلفاء العباسيون الأوائل بنقلها، فاستعانوا بالخبراء لنقلها إلى لغة العرب، حتى صارت هناك نهضة طبية، تعاقبت خطواتها سراعًا، من مرحلة الترجمة إلى مرحلة التأليف، منذ استقدم"الخليفة أبو جعفر المنصور"رئيس أطباء"جنديسابور"وهو"جورجيس بن بختيشوع"السورياني، الذي حضر إلى"بغداد"ومعه اثنان من تلاميذه هما"إبراهيم"و"عيسى"بن شهلا.
ثم عمرت بغداد بالوافدين من العلماء في شتى العلوم، من أنحاء الدولة الإسلامية، ولما بدأت حركة الترجمة، شارك فيها أهل العراق وفارس والشام والهند.