وكان الصِّهْيَوْنِيُّون الأمريكيون غيرُ اليهود، كما رأينا، يُضمِرون نفس الأفكار والأهواء المعاديةَ للعرب، وعلينا أن نذكر كيف أن لودج"لم يكن يحتمل أبدًا فكرة أن تكون القدس وفلسطين تحت حكم المحمَّديِّينَ"، وأن حكم العرب لفلسطين كان يبدو"إحدى اللطخات الكبيرة على وجه الحضارة لا يجب أن تمحى" [14] . وبعث كلارك كليفورد مذكرة للرئيس ترومان بعد ذلك الوقت بعِقْدَيْنِ من الزمان، يَحُثُّهُ فيها على العمل الجادِّ لتَقْسِيم فلسطين محذِّرًا من أنَّ"الولايات المتحدة تبدو موضِعَ سُخْرِية وهي ترتجف أمام تهديدات قِلَّةٍ من القبائل الصحراوية الرُّحَّل" [15] ، أمَّا اليهودُ فقد كانوا من ناحية أخرى قومًا يُعتَمَد عليهم؛ لأن مجتمعهم"نتاج المغامرة الحرة"، وفلسطين اليهودية"ستتَّجه بقوة نحو الولايات المتحدة، وهي تمثل حصنًا قويًّا ضد الشيوعية" [16] .
ومع صعود نجم الصِّهْيَوْنِيَّة غير اليهودية كانت مجموعة كاملة من الآراء المتحاملة على العرب تتكون في ضمير الغربيين، وقد تم إيجاد قوالبَ عنصريةٍ ثقافيةٍ ثابتةٍ لا تزال تنمو في الغرب، وكان اليهود يُجَسِّدون معظم الفضائل الغربية، وينبغي لهم أن يستوطنوا فلسطين من أَجْلِ الحضارة، ذلك أنَّ المُهِمَّة الأولى للصِّهْيَوْنِيَّة هي"تحضير وتحديث فلسطين"كقاعدة للحضارة في مواجهة الهمجية كما أعلن هرتزل نفسه ذات مرة [17] .
وكان المؤمِنُونَ بِالجِنْسِ اليَهُودِيِّ وتَمَيُّزِه العِرقِيِّ من غير اليهود أكثر منهم بين اليهود الغربيين أنفسهم، وقد قدم اللورد إدْوِين صمويل مونتاجو أبرز ممثِّلي اليهود الإنجليز مذكرةً لمجلس الوزراء البريطاني في أغسطس عام 1917 إبان المداولات حول وعد بلفور، أكَّد فيها وجهة نظره أن"سياسة حكومة جلالته لا سامية في النهاية، وستثبت أنها أساس لتجمع اللا ساميين في كل بلد في العالم" [18] .