فهرس الكتاب

الصفحة 5902 من 19127

قال عبد الوهاب الوارَّق:"أظهر الناس في جنازة أحمد بن حنبل السُّنَّةَ، والطعن على أهل البدع، فسرَّ الله المسلمين بذلك على ما عندهم من المصيبة، لما رأوا من العزِّ وعلوِّ الإسلام، وكَبْت أهل الزِّيغ" [16] .

وظهر مثل ذلك في جنازة أبي عبدالله بن باز، لقد اندحر المنافقون، وتوارى المفسدون؛ لما رأوا من عظيم مشهد جِنازته، وإطباق الناس على محبَّته؛ مما أكَّد على أنه لا مكان لأهل النفاق والزِّيغ في هذه البلاد المباركة، وكم سَرَّنا والله كثرة الكتابات عنه، والاحتفاء به، مما أظهر عزَّ الإسلام، وظهور أهل الخير والصَّلاح.

إن هذا الشيخ المودِّع تمكَّن بفضله وعمله وتقواه من قلوب العباد حتى دخلها. أصلح ما بينه وبين الله تعالى؛ فأصلح الله له الخَلْق، وبثَّ له القَبول في الأرض؛ فحملته قلوب الخَلْق قبل أن تحمله أعناق الرجال.

إن هذا الإمام المبجَّل لم يكن صنيعة إعلامٍ زائفٍ، ضلل الناس بشخصية لا تستحقُّ التبجيل، ولم تَلِجْ محبته قلوب الناس بسبب دِعاية كاذبة، كلا؛ بل عرفه كلُّ مَنْ أتاه، وعَلِمَ صدقَه وإخلاصه، كلُّ مَنْ سمعه، هكذا نحسبه والله حسيبه.

إنه ما بلغ منزلته تلك بنَسَبٍ كان يتَّصل بأوسط القبائل، ولا اشترى محبَّة الناس بمالٍ كان يملكه، ولا بجاهٍ وَرِثَه كابرًا عن كابر، ولا بمنصبٍ كان يسعى إليه؛ بل كان المال يأتيه فيَزْهد فيه، ويفرِّقه على مستحقِّيه، وظلَّ الجاه يلاحقه؛ فأمسكه بيديه ولم يَلِجْ قلبه؛ فسَّخره في خدمة الإسلام، ومعونة الضعفاء، ونصرة المستضعفين.

إن جنازته - رحمه الله تعالى - وتأثُّر الناس بوفاته؛ أعطت دورسًا عدَّةً لسائر الناس:

أعطت دروسًا لأهل الجاه والمناصب أن يتواضعوا، ويسخِّروا ما رُزقوا في خدمة الناس، وقضاء حوائجهم؛ حتى يستحوذوا على قلوبهم، وينالوا محبَّتهم.

وأعطت جنازته دروسًا لأهل العلم وطلابه؛ أن يَجِدُّو في الطَّلب، ويُخلصوا النيَّة، ويُتبعوا العلم العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت