إن شيخنا أبا عبدالله بن باز كان إمام أهل السُّنة في عصره، كما كان أبو عبد الله بن حنبل إمام أهل السنة في وقته، ومرض ابن باز؛ فكَثُرَ عوَّادُه والسائلون عنه والدَّاعون له، ومن قبل مرض ابن حنبل؛ فكان الناس يدخلون عليه أفواجًا من بعد أفواج، وأُغلق باب الزقاق من كثرة الناس الذين ملؤوا الشوارع والمساجد، وتعطَّل بعض الباعة من شدَّة الزِّحام [13] . وقُبِض الإمام أحمد؛ فارتجَّتِ الدنيا بأسرها، حتى كان مشيعوه بين ألف ألف وألفَي ألف على اختلاف روايات المؤرِّخين [14] . قال عبدالوهاب الورَّاق:"ما بَلَغَنَا أن جمعًا في الجاهلية ولا الإسلام مثله" [15] ، وصُلِّي عليه عقب صلاة الجمعة، وكذلك قُبِضَ الإمام ابن باز؛ فشيَّعه ألف ألف على الأقل، وصلَّى عليه صلاة الغائب جموعٌ لا يعلم عددها إلا الله تعالى عقب صلاة الجمعة أيضًا. غفر الله له، ورحمه وعفا عنه.
اللهم إنا نسألك أن تُسكنه الفردوسَ الأعلى من الجنة، اللهم إنه كان شديد التأسِّي بسُنَّة نبيِّكَ محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - فاجمعه به، واجمعنا بهما في جنات النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثَّانية
الحمد لله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومَنْ سار على نَهجهم إلى يوم الدِّين.
أما بعد:
فإن موت العلماء وإن كان مصيبة، وفقد الأئمة وإن كان محزنًا - إلاَّ أن جنائزهم المشهودة عزٌّ لأهل السُّنة والخير والصلاح. نعم، إنهم يدعون إلى الله تعالى طوال حياتهم؛ فإذا ما ماتوا أعزَّ الله بمشهد جنائزهم أهل الخير والصلاح. فلم تتوقَّف دعوتهم بمجرَّد موتهم؛ بل اتَّصلت إلى ما بعد دفنهم.