لما حضرت معاذَ بن جبل الوفاةُ، رأى رجلاً يبكي؛ فقال - رضيَ الله عنه:"ما يبكيكَ؟ قال: ما أبكي على دنيا كنت أصبتها منكَ؛ ولكن أبكي على العلم الذي كنتُ أصيبه منكَ. فقال رضيَ الله عنه: ولا تَبْكِهِ؛ فإنَّ إبراهيم - صلوات الله عليه - كان في الأرض، وليس بها علمٌ؛ فآتاه الله عِلْمًا" [10] .
نعم والله، إن طلاب العلم أكثر تأثُّرًا لفراقه وفَقْده، وكذلك يفقده إخوانه العلماء ويحزنون لذلك.
قال هشام بن حسان:"كنا عند محمد بن سيرين عشيَّة يوم الخميس، فدخل عليه رجلٌ بعد العصر، فقال: مات الحسنُ البصريُّ. فترحَّم عليه محمد، وتغيَّر لونه، وأمسك عن الكلام، فما تكلَّم حتى غربت الشمس، وأمسك القوم عنه مما رأوا من وَجْدِه عليه" [11] ، وما عاش محمد بن سيرين بعد الحسن البصري إلا مائة يومٍ حتى لحقه، رحمهما الله ورضيَ عنهما [12] .
إن احتفاء الناس بالشيخ عظيم، ووَجَلهم من مرضه كان كبيرًا، وفجيعتهم بموته كانت شديدة؛ فازدحموا على تشييع جِنازته، وقَدِموا من أقاصي البلاد وخارجها إلى حيث يُشيَّع، حتى لم تعد الطائرات تحتمل المزيد من المشيِّعين. فمَنْ لم يجد له مقعدًا؛ انضمَّ إلى قوافل المسافرين برًّا، الذين اتَّصل أقصاهم بأدناهم من مكة إلى الرياض، وصُلِّيَت عليه صلاة الغائب في مشارق الأرض ومغاربها، وأخذت وسائل الإعلام من مقروءٍ ومسموعٍ ومشاهَدٍ تحكي سيرتَه وخِلالَه ومناقِبَه.
إن ذلك كله ليس بمُسْتَغْرَبٍ ولا كثيرٍ في حقِّ الشيخ - رحمه الله تعالى - فحقه أكبر من ذلك بكثير؛ إذ هو أمة كاملة في رجل واحد، فهل فقدان أمة يستغرب فيه مثل هذا الاحتفاء والاهتمام من قبل المسلمين؟!