إن النظر في معنى الآية في ضوء السياق أدى إلي تجنب ما ظهر في الآية من إشكالات، حين حكم العموم فيها، وليس في الاحتكام إلي السياق ما يخل في أحكام الرضاع بعامة؛ لأن حكم إرضاع الوالدات غير المطلقات أولادهن يؤخذ من الآية بالطريق الأوْلى [13، جـ2، ص409] ، والعكس متعذر، كما أن حكم إرضاع الوالدات غير المطلقات أولادهن قد يؤخذ من غير هذه الآية [28، جـ2، ص430] ، وليس من غرض هذا البحث تتبع هذا، بخاصة أننا توسعنا قليلاً في التفصيل في هذا المثال، وسوغ لنا هذا - فيما نرى - الحرص على بيان أثر السياق، وتسويغ تقديمه على العموم في بعض المواضع.
الخاتمة
يمكن أن نقرر على هدًى مما سبق عرضه: أن فهم النص دوَّار مع السياق، وأن له فيه قسطاً من التحكم، بخاصة إذا لم تزاحمه قرينة أخرى نصبها صاحب النص دليلاً على المعنى المراد، الذي هو أعلم به، وقد يكون هذا الدليل - في مجال تفسير القرآن - آية ذات معنى صريح، أو حديث صحيح، ويلحق بهما إجماع الحجة.
عُني كثير من المفسرين بالسياق، ورعوه حق رعايته، وأنزلوه منزلته من لدن الإمام ابن جرير الطبري، الذي أجاد وأفاد في مجال التأصيل والتطبيق، ووصولاً إلي مدرسة المنار التي رفعت شعار العودة إلي النص والاحتكام إليه، والتي كانت العناية بالسياق أبرز مظاهره.
إن المجالات التي يستحضر فيها السياق كثيرة، فهو يعين على ترجيح المحتملات، وبيان المجملات، وفى تحديد عود الضمير، وفى القراءات، وله حضور عند تنقيح التفسير من الدخيل والإسرائيليات، ودفع ما يتوهم أنه تعارض بين الآيات، وإن كان هذا البحث لم يتسع من ذلك كله إلا إلى إشارات.
أسيء إلي السياق - على الرغم من أهميته - مرتين:
الأولى: حين تم تجاهله من قِبَل بعض من اشتغل بالتفسير التحليلي التجزيئي، وحرص على تكثير المعاني، وذلك بانتزاع اللفظ من نظمه وسياقه، وتفسيره تفسيراً لغوياً معجمياً، دون التفات إلى مدى مناسبة هذا المعنى للسياق.