إن الإشكالات البارزة التي وردت على القولين السابقين, وما أعقبها من ردود متكلفة مردها تجاهل السياق القرآني, وتفسير المفردات بعد انتزاعها من سياقها, والدخول إلى النص بمقرر سابق.
ترى طائفة ثالثة من المفسرين أن الوالدات في الآية هن المطلقات بخاصة, ودليلهم السياق العام منه والخاص, أما العام فإن الآية جاءت في سياق الحديث عن أحكام الطلاق, فقد بدأ هذا الحديث من الآية 226 من السورة، واستمر إلى الآية 243 من السورة نفسها, وجاءت آية الرضاع في الوسط منها (233) ، وغير جائز - كما قال الإمام الطبري في أكثر من موضع - صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجة يجيب التسليم لها [20, جـ9, ص 389] . ولا يعكر على هذا وجود بعض آيات خارج أحكام الطلاق جاءت بعد آية الرضاع؛ فإن علم المناسبات كفيل بالكشف عن سر الترابط بينها, وقد كان.
أما السياق الخاص الذي انتظمت فيه لفظة الوالدات فإنه ناطق بأنها في المطلقات, ويمكن الكشف عن دلالة السياق على هذا من خلال المعالم الموجزة التالية:
1-مجيء الوالدات معطوفة عما قبلها يشير إلي إتحاد السياق، فكأن النص بعد أن عرض لطائفة من أحكام المطلقات قال: والوالدات ممن يرضعن. وهذه الأحكام عند الطلاق [20، جـ5، ص30؛ 12، جـ1، ص402؛ 38، جـ2، ص277؛ 25، جـ2، ص292؛ 58، جـ1، ص248] .
2-مجيء (يرضعن) بصيغة الخبر تجنباً للأمر المباشر؛ يومئ بأن الحديث عن المطلقات - وقد يدخل غيرهن لبعض الاعتبارات - والآية تشهد بهذا كما سيأتي.
3-النص على الحولين، وتأكيدهما بـ (كاملين) يشعر بوجود خلاف، واحتمال تفريط من أحد الأبوين، وهذا لا يتصور إلا في حالات الطلاق [35، جـ6، ص100] .
4-قد يدل التعبير بالمولود له دون الزوج على انقطاع الزوجية.
5-فرض النفقة والكسوة للمرضع يدل على أنها مطلقة؛ إذ لو كانت زوجة لكان ذكر هذا لغوا، وقد سبق بسط هذا الكلام.