لقد فسروا الموت بالتيه والصغار وزوال عزهم, وفسروا الحياة بالخروج من التيه, وعودة العزة والكرامة لهم, واعتمدوا في تفسيرهم هذا على السياق؛ فإنه في الحث على الجهاد والتحريض عليه، وليس في مقام الحديث عن البعث والنشور, ولم تتضمن الآية الإشارة إلى قدرة الله تعالى التي تصاحب عادة الحديث عن البعث, وإنما ختمت الآية بالحديث عن فضل الله تعالى على الناس، المتمثل في تأديبهم، ثم في إعادة الكرامة والعزة لهم [13] .
وحسبنا دليلاً على بطلان هذا التفسير أنه مخالف لما أجمع عليه المفسرون قديماً وحديثاً [14] , عدا الشيخ محمد عبده ومن تابعه, فلا يقوى السياق على منازعة هذا الإجماع, كما لا يقوى هذا السياق على صرف اللفظ عن ظاهره، وحقيقته إلى معنى مجازي, حتى لو صح أن في الآية تنازعاً بين الظاهر والسياق,"فإنه إذا تُنوزع في تأويل الكلام؛ كان أولى معانيه في أغلبه على الظاهر, إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليل واضح على أنه معني به غير ذلك" [20, جـ8, ص 91] , ولا يشفع للمخالفين الاستدلال بأن الموت ورد في القرآن بالمعنى المجازي، وكذا الحياة؛ لأن السياق هناك أسهم في الحمل على هذا المعنى.
يضاف إلى هذا أن سياق الآية ملتئم تماماً مع تفسير الحياة والموت على الحقيقة؛ لأنهم خرجوا خائفين من الموت, مترددين في الجهاد، فأماتهم الله؛ ليبين لهم أن الحذر لا يغني, ثم أحياهم بفضله؛ ليتوبوا ويرجعوا عما كانوا عليه, وما دفع مدرسة المنار إلى تجاهل هذا كله إلا التفسير العقلي الذي يضيق باب المعجزات وخوارق العادات.
قد يرد أن يتنازع معنى الآية السياق والعموم, وجرت العادة عند كثير من المفسرين على تقديم العموم على غيره؛ لأنه الأصل، ولا يصار إلى التخصيص إلا بدليل معتبر [12, جـ1, ص50؛ 25, جـ16, ص 41؛ 39, جـ1, ص280] , ويحصر بعضهم دليل تخصيص العموم بالكتاب والسنة والإجماع [17, جـ1, ص66] .