الأول وهو المستوى القومي، أو ما عبّر عنه بالاستراتيجية العليا، هذه تعني تحديد الأهداف القومية؛ أي الأهداف العليا، ثم ترتيب هذه الأهداف بطريقة تصاعدية، تسمح بتحديد الأهمّ فالأقلّ أهمّيَّة، وأخيرًا تصوّر محدَّد، ليس فقط للبَدَائِل لِكُلّ من هذه الأهداف؛ بل وكذلك لحدودها بمعنى الحد الأقصى الذي لا يجوز تجاوزه، والحد الأدنى الذي يجب أن تقف عنده التنازلات، كذلك يدخل في هذه الدائرة عملية صياغة الأهداف كخُطَّة صالِحة للتنفيذ، سواء من حيث مضمونُها أو من حيث مداخلُها، وكذلك أدواتها، هذه الدائرة تتضمَّن أيضًا ما يُسمى بالأمن القومي، الذي هو أحد عناصر الاستراتيجيَّة القومية، هذا المستوى الأول.
يعقبه المستوى الثاني: والذي يدور حول قطاعات الدولة، في كل قطاع من قطاعات الدولة هناك استراتيجية مستقلة ومتميزة، تندرج في إطار الاستراتيجية العليا؛ ولكنها تستقل عنها دون أن تتعارض معها، وبهذا المعنى لدينا استراتيجية عسكرية وأخرى اقتصادية وهكذا. الاستراتيجية العسكرية تصير بهذا المعنى تحويل وصياغة عسكرية للاستراتيجية القومية.
المستوى الثالث وهو ما يُسمَّى بالاستراتيجية الميدانيَّة؛ ونقصد بذلك تحويل الاستراتيجية الخاصة بقطاع معين إلى خطة للتعامل وقد تحدد القطاع والمكان والموقف، ومن ثَمَّ فإنَّ الاستراتيجيَّة العسكريَّة يَجِبُ بِدَوْرِها أن تتحوَّل إلى استراتيجيَّة مَيْدانية تبعًا للسلاح المستخدم والمكان، أو موقع المعركة المتوقَّعة. هذا الذي حدَّدْنَاهُ، هو تبسيط مُطلقٌ؛ ولكنَّ الفِكْرَة الأساسيَّة واضحةٌ، والتي تعنِي أنَّ التَّعامُل العسكريَّ يفترض تعدّدًا وتناسُقًا.