ونخلص الآن إلى زبدة في القول: بأن الزحام خلق مشين، يصادم مكارم الأخلاق، وآتيه تَعَنَّى للوِزْر دون الأجر، ومخالفة أصول الشريعة القاضية باليُسر والسهولة ورفع الحرج.
كما أنه: مُصادِم لمكارم الأخلاق: لأنه حِدّة كله، وفظاظة كله، وضد الرفق كله، قال - تعالى: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] ، واللين هنا تأكيد على سعة الخلق مع أمة الدعوة والمسلمين، وقال - صلى الله عليه وسلم: (( من يحرم الرفق يحرم الخير كله ) ) [84] ، والرفق حِلية الأدب، وشارة الخلق، يقول صلى الله عليه وسلم: (( ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع منه إلا شانه ) ) [85] .
وإنما خصصت الرفق بالذِّكْر؛ لأنه أصل مهم من أصول الأخلاق، والتعامل بين المسلمين.
وإن المؤمل من كل قاصد للمسجد الحرام، سواء لإقامة الصلوات الخمس، أم العيدينِ أم التراويح أم التهجد أم الطواف أم الحج والعمرة، أن يُزكِّي نفسه بالطمأنينة والسكينة، إن كانت عن ميدان الطهر والصفاء لاجَّة، وأن يزمها بالترغيب والترهيب إن كانت لا تقنع إلا بالمحاجة، وأن يذكرها قول الباري - تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] وقوله - سبحانه: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( حُرِّم على النار كل هَين لَين سهل، قريب من الناس ) )، وبتوجيهه - عليه الصلاة والسلام - بقوله: (( ولِينُوا في أيدي إخوانكم ) ) [86] وبقوله - صلى الله عليه وسلم: (( إذا أقيمت الصلاة لا تأتوها تَسْعَون، وأتوها تمشون عليكم السكينة ) ) [87] ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم: (( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، فلا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتمُّوا ) ) [88] .