وكذلك من خلال مطالب بعض الثورات ضد خلفاء الدولة المتأخرين مثل ثورة زيد بن علي في الكوفة، والحارث بن سريح في خراسان التي غلبت على مطالبهما الإصلاح المالي مثل إسقاط الجزية عمن أسلم، والمساواة بين الناس في التعامل وإشراك الموالي في العطاء. ونلمس هذا العامل أيضًا في ثورة البربر في المغرب ضد واليهم في بداية عهد هشام كما مر من قبل [81] . وكثرة الثورات ووضوح مطالبها في هذا المجال ومحاولة الولاة الإصلاح له دلالته في حدوث خلل في سياسة الدولة المالية وإضطراب اقتصادها في عهدها الأخير. وقد كانت إصلاحات الخليفة عمر بن عبدالعزيز ونصر بن سيار بعد ذلك محاولتين جادتين لإصلاح ذلك الخلل والإضطراب ولكن ليس كل الخلفاء المتأخرين مثل عمر وليس كل ولاة الأقاليم وجباتها مثل نصر. ولدينا هنا مؤشران يندرجان تحت مفهوم تدهور موارد الدولة في هذا الوقت الأول، إن البون شاسع بين موارد الدولة الأموية في عهدها المتأخر وبين موارد الدولة العباسية في صدر عهدها، إذ بلغت في الأول أكثر من 250 مليون درهم وبلغت في الثاني 500 مليون درهم [82] ، والفرق بين الرقمين يصل إلى الضعف وهو فرق كبير بدون شك.
أما المؤشر الثاني فهو أن فترة أواخر الدولة الأموية تشابه فترة الصراع بين الأمين والمأمون في تاريخ الدولة العباسية، إذ لأول مرة يقتل الخليفة في تاريخ الدولتين فضلًا عما جرى خلال الفترتين من إضطراب الأمور وسوء الأوضاع المختلفة وقد انحدرت موارد الدولة العباسية خلال تلك المرحلة بمقدار مائة مليون درهم لتبلغ إجمالًا خلال هذا الوقت 400 مليون درهم، في حين بلغت في عصر الرشيد 500 مليون درهم [83] . ولا شك أن موارد الدولة الأموية في السنوات الأخيرة من عهدها انحدرت وإن لم تقدم لنا المصادر حسابًا لمجمل إيراداتها بعد عصر هشام، وهو أيضًا مظهر من مظاهر اضطراب الأمور وقتذاك.
مركز الدولة المالي: