(كُنّا عَلَى حَاضِرٍ، فَكَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا رَاجِعِينَ من عِنْدِ رسول اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَدْنُو مِنْهُم، فَأَسْمَعُ، حَتّى حَفِظْتُ قُرْآناً، وَكَانَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ بِإِسْلاَمِهِمْ فَتْحَ مَكَّةَ، فلما فُتِحَتْ جَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِيهِ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا وَافِدُ بَنِي فُلاَنٍ، وَجِئْتُكَ بِإِسْلاَمِهِمْ.. فَانْطَلَقَ أَبِي بِإِسْلاَمِ قَوْمِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:"قَدِّمُوا أَكْثَرَكُمْ قُرْآناً"، قال: فَنَظَرُوا، وَأَنَا لَعَلَى حِوَاءٍ عَظِيمٍ -أي: بيوت مجتمعة من الناس على ماء- فَمَا وَجَدُوا فِيهِمْ أَحَداً أَكْثَرَ قُرْآناً مِنِّي، فَقَدَّمُونِي، وَأَنَا غُلاَمٌ..
فَصَلَّيْتُ بِهِمْ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ، وَكُنْتُ إِذَا رَكَعْتُ أَوْ سَجَدْتُ قَلَصَتْ فَتَبْدُوَ عَوْرَتِي! فَلَمَّا صَلَّيْنَا، تَقُولُ عَجُوزٌ لَنَا دَهْرِيَّةٌ -أي مُسِنَّة-: غَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ!! قَالَ: فَقَطَعُوا لي قَمِيصاً، فَذَكَرَ أَنَّهُ فَرِحَ بِهِ فَرَحاً شَدِيداً) [16] .
وقد اقتدى الصحابةُ -رضوان الله عليهم- بنبيهم -صلوات الله وسلامه عليه- في هذه الرعاية والاهتمام بالأطفال..
فهذا الصديق أبو بكر -رضي الله عنه- يحمل الحسنَ بن علي وهو يقول:
بَأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيّ لَيْسَ شَبِيهاً بِعَلِيّ
وعلي يضحك [17] .
ومن ذلك ما ذكره عبدُ الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: (قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مِثْلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ ) )، فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ).