ولهذا فإن الوالي الجديد يوسف بن عمر فرض على سلفه خالد القسري غرامات كبيرة قريبة من مبلغ الإنكسار في الخراج الذي حدث في عهده إذ ألزمه وابنه وعماله بدفع تسعين مليون درهم، ووصلت المصادرات في سبيل جمعه إلى حد بيع متاع خالد ومطاردة عماله وضربهم [38] . إلا أن إجراءات يوسف بن عمر لم تحسن من مركز ولايته الإقتصادي وبالتالي دعم بيت المال في الدولة فقد كان يوسف يختزل بعض تلك الأموال لنفسه، ويقدم أخرى هدايا للحكام ومن حولهم من أصحاب النفوذ في البلاد للمحافظة على مركزه، أو يدفعها لمن يمكنه من التشفي من منافسيه فقد وعد الخليفة الوليد بن يزيد بدفع خمسين مليون درهم، في مقابل إطلاق يده في تعذيب خصمه خالد القسري وهنا يتضح الهدف من إجراءات يوسف الآنفة بأنها لم يقصد بها الصالح العام، وإنما تحقيق أغراضه ومطامعه الشخصية، وإذا عرفنا أن المصادر لا تذكر لنا أملاكًا كبيرة ليوسف بن عمر تفي بمثل هذه المبالغ، وتحقيق تلك المطامح أدركنا أن جزءًا كبيرًا منها كان يقتطع من أموال الخراج فإذا اتضح النقص فيه وسئل عنه اعتل (( بتخريب ابن النصرانية [39] البلاد ) ) [40] . وعلى أية حال فإن سياسة العاملين خالد القسري ويوسف بن عمر لم تؤد إلى تحسن أو ارتفاع إيرادات الدولة من العراق فقد كانت تتلقى منه ما بين 60 إلى 70 مليون درهم في العام وهو مبلغ يقل عما كان يرسله سلفهما ابن هبيرة، ويعود ذلك لسوء تصرف الرجلين وتبذيرهما لكثير من الأموال على الرغم من أنها جمعت بطريقة لم تعرف التساهل [41] . إلا أنه لا يخرج عن مؤشر الدولة الذي كانت تعيشه منحدرة نحو السقوط.