وثانيهما: أن النظام الإسلامي في الدولة يجيز لمن أسلم أن يبقى على أرضه ويدفع عنها الخراج فإذا انتقل منها يعفى منه [10] ، ومع هذا - فيما يظهر - لم يكن دافعًا قويًا وراء إنتقال الفلاحين إلى المدن، إلا أن جذب المدن لهم كان أقوى، فضلًا عن ظهور ملكيات زراعية كبيرة تملك مساحات واسعة وقدرة مالية تستطيع مد الجسور وشق القنوات ورم البثوق وسحب مياه الأنهار، وبالتالي أدرك صغار الفلاحين - وهم سواد كبير - أنهم لا يستطيعون المنافسة، ومن ثم فإن الإتجاه للمدن يكون أحسن مردودًا عليهم. وعندما حاول الحجاج مواجهة هذه الظاهرة ورد كل أناس إلى قراهم التي جاءوا منها كما وضح من قبل كانت العوامل التي دفعت هؤلاء إلى الإنتقال لا تزال قائمة، وتزداد وضوحًا مع الوقت وبالتالي فإن الرغبة في العودة إلى أعمالهم السابقة لم تعد معهم وهي روح مهمة لنجاح العمل الزراعي ولكنها في هذه المرة كانت مفقودة، وهو ما أثر على إقتصاد الدولة فيما بعد عندما عمل هؤلاء فيه مكرهين أو بدون رغبة، أو عادوا للمدن بطرق وأوقات مختلفة.
وزيادة على ذلك فرض بعض الولاة ضرائب جديدة مثل تحصيل ثمن أدوات الكتابة في دواوين الدولة، وكذلك بعض هدايا النيروز والمهرجان [11] التي كانت معروفة من قبل عند دولة الفرس [12] . وقد عمد لها الدهاقنة أحيانًا لتعويض ما يفقدون نتيجة الدخول المتزايد في الإسلام، ومخافة رفع الجزية أو ضريبة الرأس عن الداخلين فيه [13] . وقد استمر هذا حتى جاء الخليفة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه فأبطل هذه الضرائب في وقته [14] ، وذم ولاة العهد السابق في العراق والشام ومصر ومكة والمدينة وقال في مناسبة ذكرهم: (( اللهم قد امتلأت الدنيا ظلمًا وجورًا فأرح الناس ) ) [15] .