وفي سبيل جباية أكبر قدر ممكن، وذهان قدر مناسب لأولئك الدهاقين فسروا أي دخول جديد في الإسلام بأنه ليس بحقيقي وإنما هو هروب من دفع الأموال وإسقاط بعض بنوده وهو الجزية، ولهذا قاوم هؤلاء الدخول في الإسلام وحاربوا انتشاره في تلك الأقاليم، ويفسر (فلهوزن) هذه الحقيقة على أسس مالية محضة [4] . هذا إن لم تكن تلتقي مع ميلهم الكامن في بقاء بني جلدتهم على معتقداتهم الفارسية السابقة، وأنه خير لهم من الدخول في الإسلام، لا سيما أن هذا البقاء يضمن للطبقة الجابية مالًا أكثر على عكس التحول إلى الوضع الجديد الذي يفقدها كثيرًا من ذلك المال، إذا ما قيس بعدد الأفراد وكثافة السكان هناك ثم ما يتبع الغنى من جاه وسلطان وسوف تسهم قلته في ضعف النفوذ والسلطان عند تلك الطبقة، وفي سبيل هذا لجأت أحيانًا إلى رفع الجزية والضرائب عن الأتباع والمحيطين من أهل ملتهم السابقة بالدفع عنهم، أو إثقال المسلمين في مناطقهم أو الجدد منهم بالجزية، وجبي الأموال للتعويض وتغطية تلك السياسة وتحقيق النفوذ [5] ، وتكررت الشكوى من الدهاقين وإلحاحهم في فرض الجزية على من أسلم [6] ، وكان منهم يرى أن تحول أتباعه إلى الإسلام يفقده وسيلة إستنزاف أموالهم بحكم توليه الجباية لها منهم [7] . حتى وصف بعض الناس عمالهم في خراسان بأنهم سلطوا عليهم الدهاقين في الجباية، وسواء اشتدوا في أخذها من الكافة حتى من الضعفاء وهم معفون منها أصلًا أم أنهم أسقطوها عن الأغنياء والصنائع فقد بقيت ربقة في عنق الضعفاء ولم ينجهم منها حتى إسلامهم [8] .
ونتيجة لذلك هجر الناس قراهم إلى المدن، وتركوا أراضيهم الزراعية ذات الدخل الخراجي الهام في إيرادات الدولة، أما أهل الذمة فبالإضافة إلى ذلك فقد دخل كثير منهم في الإسلام إما عن تمكن وإقتناع أو لإسقاط الجزية عن رؤوسهم، وكانت التهمة الأخيرة هي الشائعة.