حركته بالمجنون، كما يقال لمن يسرع في مشيه ويضطرب في حركاته: إنه قد جُنَّ؛ ومنه قول الأعشى:
وَتُصْبِحُ مِنْ غِبِّ السُّرى وَكَأَنَّها أَلَمَّ بِها مِنْ طائِفِ الجِنِّ أَوْلَقُ
فجعلها - أي ناقته - بسرعة مشيها ونشاطها كالمجنون. قوله: {إلا كَما يَقُومُ الذي يَتَخَبَطُهُ الشَّيْطانُ مِن المَسِّ} ؛ أي: إلا قياماً كقيام الذي يتخبطه؛ والخبط: الضرب بغير استواء كخبط العشواء، وهو المصروع، والمس: الجنون، والأمس: المجنون، وكذلك الأولق، وهو متعلق بقوله: {يَقُومُونَ} ؛ أي: لا يقومون من المس الذي بهم {إلا كَما يَقُومُ الذِي يَتَخَبَطُهُ الشَّيْطانُ} أو متعلق بـ {يَقُوم} ؛ وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان، وليس بصحيح، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس، وقد استعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من أن يتخبطه الشيطان.
كما أخرجه النسائي وغيره، قوله: {ذلك} إشارة إلى ما ذكر من حالهم وعقوبتهم بسبب قولهم: {إِنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا} ؛ أي: أنهم جعلوا البيع والربا شيئا واحدا، وإنما شبهوا البيع بالربا مبالغة بجعلهم الربا أصلاً والبيع فرعاً، أي: إنما البيع بلا زيادة عند حلول الأجل كالبيع بزيادة عند حلوله؛ فإن العرب كانت لا تعرف رباً إلا ذلك، فرد الله - سبحانه - عليهم بقوله: {وأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} ؛ أي: أن الله أحل البيع وحرم نوعاً من أنواعه وهو البيع المشتمل على الربا، والبيع: مصدر باع يبيع، أي: دفع عوضاً وأخذ معوَّضاً، والجملة بيانية لا محل لها من الإعراب.