يقول الحافظ ابن كثير - يرحمه الله:"لما ذكر - تعالى - الأبرار المؤدين للنفقات المخرجين للزكوات المتفضلين بالبر والصدقات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والأوقات - شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} ؛ أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياماً منكراً، وقال ابن عباس - رضي الله عنه:"آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق"؛ رواه ابن أبي حاتم، ونقل - أي ابن كثير - عن بعض مفسري السلف نحو هذا المعنى، ثم استمر - يرحمه الله - في نقل الروايات عن مفسري السلف في أن قيامهم على الوضع المذكور يكون يوم القيامة ونقل عن ابن جرير بالسند إلى ابن عباس - - رضي الله عنه -ما - قال:"يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} ؛ الآية. وذلك حين يقوم من قبره" [5] ، وجاء في"فتح القدير"عند تفسير هذه الآية:"وليس المراد بقوله هنا {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} اختصاص هذا الوعيد بمن يأكله، بل هو عام لكل من يعامل بالربا؛ فيأخذه ويعطيه، وإنما خص الأكل لزيادة التشنيع على فاعله، ولكونه هو الغرض الأهم؛ فإن آخذ الربا إنما أخذه للأكل، وقوله: {لا يَقُومُونَ} ؛ أي: يوم القيامة، كما يدل عليه قراءة ابن مسعود:"لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشطان من المس يوم القيامة"؛ وبهذا فسره جمهور المفسرين، قالوا: إنه يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند أهل المحشر. وقيل: المراد تشبيه من يحرص في تجارته فيجمع ماله من الربا بقيام المجنون؛ لأن الحرص، والطمع، والرغبة في الجمع قد استفزته، حتى صار شبيهاً في