تنكسف الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فيفزع إلى الصلاة، ويطيل القيام والركوع والسجود، حتى إذا كان في آخر سجدة من الركعة الثانية، جعل ينفخ ويبكي ويقول: (( لم تُعِدْني هذا وأنا فيهم .. لم تُعِدْني هذا ونحن نستغفرك ) )، ثم رفع رأسه وانجلت الشمس، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله - عز وجل - فإذا رأيتم كسوف أحدهما فاسعوا إلى ذكر الله عز وجل ) ). ثم قال صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفس محمد بيده لقد أدنيت الجنة مني حتى لو بسطت يدي لتعاطيت من قطوفها، ولقد أُدنيت النارُ مني، حتى لقد جَعَلْتُ أتقيها خشية أن تغشاكم ) )، والعجيب هو ما رآه صلى الله عليه وسلم في النارِ، قال: (( حتى رأيتُ امرأة من حِمْيَر تعذَّبُ في هِرّةٍ؛ ربطتها فلم تدعها تأكل من خَشَاشِ الأرض، فلا هي أطعمتها ولا هي سقتها حتى ماتت، فلقد رأيتُها تنهشُها إذا أقبلت، وإذا ولَّت تنهشُ ألْيَتَها ) ) [10] .
فما أعظم هذا الدين، وما أروع هذه الشريعة التي أقامت العدل وأرست دعائمه بين بني البشر، ولم تكتف بذلك؛ بل بلغت من العدل والإنصاف أن رفعت الظلم عن الحيوان البهيم؛ لأنه يحسّ ويتألم ويشعر بمرارة الظلم إذا وقع عليه.
* ولما أراد الله - عز وجل - أن يمدح رسوله صلى الله عليه وسلم، وصفه بالرحمة فقال عز من قائل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] .
* وقال أيضًا: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .