ومن رحمة الله - عز وجل - أن يرى العصاة الفجرة الجبارين المتكبرين، يعصونه ليلاً ونهارًا، يسفكون الدماء، ويأكلون الأموال ظلمًا وعدوانًا، يهتكون الأعراض ويغتصبون الحقوق، ومع ذلك كله فإن رحمته سبحانه وتعالى لا تزال تغشاهم، وستره لم ينكشف بعد عنهم، وكنفه يحيط بهم، وهو سبحانه لم يغفل عنهم، بل مُطَّلع على خططهم ومؤامراتهم. قال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء} [إبراهيم: 42-43] .
والرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن الرحمة لا تكون بين الناس فحسب؛ بل بين الكائنات الأخرى من غير بني البشر، يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل اشتد عليه العطش وهو يمشي في طريق وعرة، فوجد بئرًا فنزل فيها وشرب، ثم خرجَ، فإذا كلب يلهثُ، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خُفَّه ماءً ثم أمسك بفيه حتى رقِيَ، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له )) .
فتعجب الصحابة من ذلك وسألوا: يا رسول الله! وإنَّ لنا في هذه البهائم لأجرًا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (( في كلِّ كبدٍ رطبة أجرٌ ) ) [5] .
وحديث آخر صحيح كالشمس، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بينما كلبٌ يطيفُ بِرَكيَّة [6] قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقَهَا [7] ، فاستقت له به، فسقته إياه فَغُفر لها به ) ) [8] .
أيها الناس: