ولله ما أعظم الفرق بين قلبين؛ قلب ذلك الداعية (!) المجهل المسفه الذي تسربل بسربال الحرب، وحسب نفسه في ساحة الوغى، فشرع رمحه وتقلد سيفه، وأضحى لا هم له سوى الانتصار بالضربة القاضية على المدعو المسكين، وبين من علم مقامه وأدرك حقيقة الدعوة إلى الله، وفهم مقصدها فتراه ينظر إلى الناس بعين الشفقة التي طالما دمعت أثناء الدعاء لهم بالهداية والتوفيق.
وربما وافقني كثير من الفضلاء إلى هذه النقطة في سابق التقرير، فإذا قلت له: فأنزل ما مضى من حديث على الدولة أو بعض مؤسساتها الرسمية، تغير واستشاط.. وأرجو أن لاتكون أيها القارئ من هؤلاء فإني لك ناصح محب.
وحتى لايفرح بهذه الكلمات أرباب المناصب وأصحاب الولايات - وليس غرضي أيها الغَضِبُ رضاك بل رضا مولاك - الذين استمرءوا مخالفة الشرع وتقديم الأهواء والآراء والمصالح المتوهمة عليه أقول للفطن اللبيب: لست أرمي بما ذكرت آنفاً إلى نبذ ما يسمونه بالعنف (!) في الخطاب الإصلاحي، كيف هذا والله تعالى يقول لنبيه: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} ، وجهاد المنافقين المُغْلَظِ فيه أعظمه جهاد الكلمة، أفلا نجاهد بها قوماً يقذعون إلينا في منطقهم، ويجهلون ويسفهون ويشنعون، فتارة رمي بالتخلف والرجعية والهمجية، وأخرى نبذ بالعنف والتطرف والغلو في الإرهاب، إلى غير ذلك من كيل التهم والسباب؟ بلى والله لنجاهدنهم بألسنتنا، ولنغلظن لهم كما أغلظوا لنا، محتسبين في ذلك الأجر.