وكلنا يرى أننا كثيراً ما نذهب نستسقي وندعو، ثم لا نرى للإجابة أثراً، والسبب أننا ندعو بعبارات اعتدنا عليها؛ فلا نعي ما نقول، ومع ذلك فاستسقاؤنا إنما هو تشبُّعٌ؛ ندعو الله والكثير يدور في خَلَدِه النزهة، وضرب الخيام في البريَّة، والتنعُّم بما تخرج الأرض من زينتها، أما الدعاء للضر الذي أصاب، فلو أحسسنا به لتدبرنا ما نقول، وأقرب مثال ما أصاب أفريقيا من البلاء، مثل هؤلاء هم الذين لو دعوا الله؛ لدعوا من قلوب موجعة، تحسُّ بضرورة الدعاء، غير أنهم لما دعوا الله واستسقوا، سألوه بجاه البخاري، الذي توفي منذ أكثر من ألف سنة - كما حدثني بذلك أحد الإخوة السودانيين لمَّا سألته. وقديماً قيل: ليست النائحة كالثَّكْلَى، وهو مَثَلٌ يُضرب لبيان اختلاف الناس في ما يصدر منهم من بكاء ونحوه، بحسب تأثُّرهم، كالنائحة والثكلى؛ لأن عند بعض الأمم الجاهلية: إذا توفي شخصٌ أتوا بنائحةٍ تُستأجر، تصيح وتبكي على المتوفَّى، فيقال: إن بكاء هذه النائحة ليس كبكاء التي أحست بلوعة فراق ابنها، وهذا مَثَلُ مَنْ يدعو تشبعاً، ومَنْ يدعو لإحساسه بالضُّرِّ.
الشرط الخامس من شروط استجابة الدعاء: هو إطابة المأكل، وهذه والله هي قاصمة الظهر، التي لا يكاد يسلم منها أحد في هذه الأزمان، نظراً لانغماس الناس في الملذات، وإقبالهم المتزايد على الدنيا وطلبها، وتساهلهم في ما دخل أجوافهم من المأكول والمشروب، وكثرة المعاملات المحرَّمة، والمآكل القادمة من بلاد الكفر، وتساهُل الناس فيها، وفيها ما فيها من الشبهات.