وقد كان لهذه الخطوات الأثرُ الكبير في تشجيع الناس على الإقبال على التجارة، والتوسع فيها؛ الأمر الذي ساعد في تنشيط الحركة التجارية، وانخفاض الأسعار وظهور فترة من الأمن الاقتصادي، والرخاء في المراكز التجارية التي كانت تُشرف على التجارة عبْر الصحراء [67] . وإن مما يؤكد ذلك ازديادَ رواج التبادل التجاري بين بلاد المغرب والسودان الغربي في مختلف أنواع السلع، فالإدريسي (ت 560هـ / 1165م) ، على سبيل المثال، وصف أهل مدينة"أغمات"فقال:"وهم أملياء (هكذا في النص) [68] تجار مياسير يدخلون إلى بلاد السودان بأعداد الجمال الحاملة لقناطير الأموال من النُّحاس الأحمر الملون، والأكسية وثياب الصوف والعمائم والمآزر، وصنوف النظم من الزجاج والأصداف والأحجار، وضروب من الأفاويه والعطر وآلات الحديد المصنوع. وما منهم مِن رجل يسفر عبيده ورجاله إلا وله في قوافلهم المائةُ جمل والسبعون والثمانون جملاً، كلها مُوقَرَةٌ، ولم يكن في دولة الملثَّمِينَ أَحَدٌ أكثر منهم أموالاً ..." [69] . وإن مما يؤكده أيضًا ما صار يتدفق على مراكز المغرب التجارية مِن ذهبِ السودان، ومن هذه المراكز المهمة مدينةُ"سجلماسة"التي أصبحت مقر سكِّ العملة المرابطية [70] .
ويصف ابن أبي زرع ما يمكن أن نسميَه بالأوضاع الاقتصادية في عهد المرابطين، فيقول هذا المؤرخ:"وكانت أيامهم (أي المرابطين) أيام دعة ورفاهية ورخاء متصل وعافية وأمن، تناهى القمح في أيامهم إلى أن بِيعَ أربعةُ أَوْسُق بنصف مثقال، والثمارُ ثمانية أَوْسُق بنصف مثقال، والقطاني [71] لا تباع ولا تشترى"إلى أن قال"وكثرت الخيرات في دولتهم وعمرت البلاد" [72] . فهذا النص، وإن كان فيه شيءٌ من المبالغة [73] ، كما أشار إلى ذلك الأستاذ الجنحاني [74] ، إلا أنه يُظهر بشكل واضح ما كان للمرابطين من مآثرَ وإيجابيات على الناحية الاقتصادية في المنطقة.