وعلى يد هذا الفقيه وأيدي الأمراء مِن صنهاجة قامت حركة المرابطين في بضع سنين وهي الحركة التي ترتَّب على جهاد فريق مِن أتباعها في منطقة جنوب الصحراء انهيارُ إمبراطورية غانا الوثنية، هذا الانهيار الذي يُعَدُّ في الحقيقة أهمَّ حَدثٍ في تاريخ المنطقة منذ بدأ البربر صراعهم مع الإمبراطورية؛ لما ترتب عليه من تحوُّلٍ للسلطة فيها إلى الإسلام وما أعقبه من تدعيم الإسلام في المنطقة حتى إن بعض الكُتَّاب رأى أن لسنة 469هـ (1076م) - وهو تاريخ سقوط غانا الوثنية على أيدي المرابطين - من الأهمية بالنسبة للسودان الغربي ما لسنة 1066م (459هـ) من الأهمية بالنسبة لإنجلترا، وهي السنة التي فتح فيها النورمان هذا البلد [18] .
المرابطون في المغرب والمرابطون في الصحراء:
ليس من اختصاص هذا البحث التفصيلُ في كيفية قيام حركة المرابطين، إلا أنه لابد لنا هنا من الإشارة بإيجاز شديد إلى تطور أهم الأحداث في عهد الأمير أبي بكر بن عمر، فبعد وفاة عبدالله بن ياسين إمام المرابطين سنة 451هـ (1059م) تولَّى هذا الأمير جميع المهام في قيادة المرابطين جامِعًا بذلك بين الإمامة والإمارة. ومع مرور الوقت أصبح ابن عمه يوسف بن تاشفين ساعِدَهُ الأيمن [19] .
ولما ترامت إلى مسامع الأمير أبي بكر بن عمر أخبارُ النزاع بين قبائل البربر في الصحراء سار مِن تَوِّه بجُزْءٍ مِنَ الجَيْشِ إلى الصحراء، وهناك استطاع أن يحسم الخلاف وأن يقطع دابر الفتنة. وقد أخذ منه إنجازُ هَذِهِ المهمة بعضَ الوقت. وعندما عاد إلى المغرب وجد يوسف بن تاشفين قد رتَّب شؤون الدولة واستقرت له الأوضاع، فتنازل الأميرُ أبو بكر بن عمر لابن عمه عن السلطة في المغرب في أول لقاء بينهما، وقرر أن يعود مع فريق من المرابطين في الصحراء وحَمَلَ لواء الجهاد في بلاد السودان [20] .