وبالرَّغْمِ مِمَّا اتَّسَمَتْ به الرواياتُ التي تحدثتْ عن تَجَمُّعات البَرْبَرِ من مبالغة، كَتِلْكَ التي وصفت جيش"تين يروتان"والمناطق التي شملها نُفُوذُه، إلا أنَّنا نَجِدُ فيها ما يُظهر مدى القوة التي بلغتْها قبائلُ البَرْبَرِ في تلك الفترات. وممَّا يؤيد ذلك أن إمبراطورية غانا مع عِظمها لم تستطع الصمود أمام هَجَمَاتِ القَبَائِلِ المُتَحالِفَةِ على أقاليمها الشماليَّة، وَقَدِ اضْطُرَّ كثيرٌ من حُكَّام هذه الأقاليم إلى دَفْعِ الجِزْيَةِ إلى"تين يروتان". ليس ذلك فَحَسْب بل إن هذا الملك لم يتردد في التدخل في نزاع بين إقليمين من أقاليم غانا وهما"أوغام"و"ماسين"حيث قام بمساعدة حاكم هذا الإقليم الأخير ضد أوغام وذلك بإمداده بعدد كبير من الجمال [11] . أما"تارشتا"زعيم صنهاجة في الحلف الأخير، فقد كان من الشجاعة والحماس لنشر الإسلام في بلاد السودان إلى درجة أنه استُشهد في إحدى المعارك التي خاضها ضد الوثنيين على أرض إمبراطورية غانا في موضع يقال له"فنفار"وذلك بعد ثلاث سنوات من قيام الحلف [12] .
ومما يدل أيضًا على قوة قبائل البربر في تلك الفترات أن إمبراطورية غانا لم تجرؤ على القيام بأية محاولة لمدِّ نفوذها على مدينة أودغست، المركز التجاري المهم على حدودها الشمالية، إلا بعد أن تراجعت سطوة هذه القبائل إثر تفكُّك حلفهم الأخير، كما سبقت الإشارة إليه. أما قبل ذلك فقد اتخذ البربر مدينةَ أودغست مركزَ تجمع لهم مؤكدين بذلك سيطرتهم عليها [13] .
ولما كانت إمبراطورية غانا مضطرَّةً للتعامل مع أودغست وذلك لحاجتها الماسة للمِلْح القادم منَ الشمال عن طريق هذا المركز؛ فإن إمبراطور غانا وكثيرًا مِن حكام أقاليمها كانوا يَخْطُبونَ وُدَّ مَلِكِ البَرْبَرِ في أودغست فَيُرْسِلونَ إِلَيْهِ في بعض المناسبات الهدايا الثمينة [14] .
المرابطون: