فلقد تبين علميًا أنَّ في لعاب الكلب جراثيمَ يفرزُها وخاصة عند الأكل أو الشرب، ومن ثم فهي مضرة بصحة الإنسان عند الملامسة وتعقب سؤره عند الشرب أو الأكل، في حين إن هذا الحكم لا ينطبق مطلقا على سؤر الهرة ولعابها، بحيث قد يدخل في حكم المطهرات، antiseptique أو desinfectant، وهذا ما نلاحظه بالعين المجردة حينما تصاب بجرح ثم تلحسه حتى تبرأ منه، بل قد تمارس غسل وجهها وأطرافها بلحسها بلعابها....
فأين حكمُ العقل المجرد والقاصر هنا وهناك؟ ومتى كان العقل حاكمًا على قضايا الشرع حتى يصبح مقدمًا في مثل هذه المسائل؟
إن العقل المجرد المتبع لهواه لا يعطي سوى الشذوذ في باب التشريع؛ سواء كان شذوذًا عقديًا أو سلوكيًا أو جنسيًا أو غيره؛ لأنه عقل مظلم غير مستنير بذكر الله تعالى، كان من نماذجه جمهوريةُ أفلاطون التي تقر بشيوعية المرأة والأطفال، وبلزوم العري التام بين الرجال والنساء، وبالحكم الجزافي الديمقراطي من غير أخلاق أو ضوابط ومرجعيات روحية أو فكرية قارّة، وما إلى ذلك من السخافات التي سبق أن ذكرنا نماذج منها في كتابنا"حجاب المرأة وخلفيات التبرج في الفكر الإسلامي".
3)وقد سبق أن بينا في مقال لنا -عنوانه"العقل يهزم التجربة والفكر الإسلامي ينتصر!"- هذا الخللَ الفكري حينما تكون الرؤيةُ مجردةً والعقل قصيرًا، وذلك في موازنة بين الغزالي وجالينوس، وسقوط هذا الأخير في وهم التجربة الناقصة التي ولدت له عقلا ناقصا، فحكم بأن الشمس لا تتعرض للذبول أو الفناء من خلال رؤية بصرية قصيرة تعوّدها.
أما الغزالي فرأى أن الشمس تذبل وتنتقص بمقدار الجبال من غير أن نشعر بها، مستندًا في حكمه هذا على مبدأ التجويز المنطقي ومبدأ الحكم الكلي على العناصر المادية، كما كان يعبر عنه بأن: كل معدن فهو يتعرض للفساد، فالشمس من جنس المعادن، إذن فهي تتعرض للفساد (أي التأكسد بلغة كيميائية حديثة) لا محالة.