3)من هنا فلم يكن البخاريُّ مجردَ راوٍ شخصي أو مؤلف، وإنما كان عملُه مبنيًا على قواعد موضوعية وعلمية، ابتداء من الضابط النفسي والكمال الجسدي، إلى الضابط العقدي الأخلاقي الذي لبه الصدقُ والإخلاص، ومن ثم التخصص في الشهادة التي لا تتم إلا بمبدأ العدالة المبنية عليها الأحكام والأنساب والمواريث وما إلى ذلك من العقود.
ولهذا فمن شك أو طعن -تفسيقًا وتعريضًا بسوء القصد- في روايات البخاري كرواية وإثبات، فالأولى به أن يطعن أو يشكك في نَسَبه إلى أبيه ما دام الإنكارُ يكون من أجل الإنكار، والهوى هو ديدنه.
فلا ينبغي للبعض -ممن يسلك هذا التطرفَ- أن يحكم على البخاري وغيره من كبار المحدثين؛ لأنه قد يقال له: إن أنت أنكرت روايةَ البخاري في صحيحه، فأنت لقيط أو دعيّ بهذا المقياس، مع أن أباك وأمك قد يكونان معروفين، وثابت زواجُهما بشهادة العدلين أو بينة السماع!!!
هذا وإن كثيرًا ممن يطعنون في رواية البخاري -مع أن جل الأحاديث التي خرّجها موجودة في صحيح مسلم وباقي كتب السنن- يكونون إما من الشيعة المتطرفة والرافضة، وإما من الزنادقة القدامى أو الجدد، ربائب الباطنية الإسماعيلية وفراخها، وكذلك قد يكونون من المتفلسفة المعاصرين قطاع الأصول والأنساب، وأيضا المستشرقين اليهود، وعلى رأسهم جولدتسيهر.
ولهذا فحينما يأتي بعض الأغبياء والسخفاء في عصرنا لكي يرددوا تلك الزندقات على شكل ببغائي فإنهم يقعون على أم رأسهم؛ لأنهم منطقيًا يعرضون نسبهم وأصلهم للتشكيك والإنكار؛ إذ لم يقنعهم أي منهج أو طريق في الرواية وأوجهها الموضوعية عند الإثبات.
4)فإذا كان الطعنُ في رواية المحدث المتخصص قد يؤدي لزومًا إلى هذه النتيجة السيئة التي تعود على صاحبها سلبًا بالتشكيك في أصله وجذوره، فإن الطاعن في الصحابي يكون حاله أسوأ وألأم، بل أكثر عرضة للاتهام بالزندقة والكفر والإنكار.